الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1859 [ ص: 247 ] حديث سادس لصفوان بن سليم ، منقطع من بلاغاته

مالك ، عن صفوان بن سليم أن رجلا قال : يا رسول الله ، أأكذب امرأتي ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا خير في الكذب ، فقال الرجل : يا رسول الله ، أعدها وأقول لها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا جناح عليك .

التالي السابق


هذا الحديث لا أحفظه بهذا اللفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا ، وقد رواه ابن عيينة عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثناه محمد بن إبراهيم بن سعيد ، قال : أخبرنا أحمد بن مطرف ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان ، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن صفوان بن سليم المدني ، عن عطاء بن يسار ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، هل علي [ ص: 248 ] جناح أن أكذب امرأتي ؟ قال : لا يحب الله الكذب ، فأعادها ، فقال : لا يحب الله الكذب ، فقال : يا رسول الله ، أستصلحها وأستطيب نفسها ، قال : لا جناح عليك .

قال ابن عيينة : وأخبرني ابن أبي حسين ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يصلح بين اثنين ، والحرب خدعة ، والرجل يستصلح امرأته .

قال أبو عمر : هذا الحديث يفسر الأول ; ولهذا أردفه ابن عيينة به ، والله أعلم . ومعلوم أن الرخصة لم تأت في أن يصدق الرجل امرأته فيما يعدها به ; لأن الصدق لا يحتاج أن يقال فيه : لا جناح عليك .

وفي هذا الحديث إباحة الكذب فيما يصلح به المرء على نفسه في أهله ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ليس بالكذاب من قال خيرا ، أو نمى خيرا ، أو أصلح بين اثنين .

ومعلوم أن إصلاح المرء على نفسه فيما بينه وبين أهله بما لا يؤذي به أحدا أفضل من إصلاحه على غيره ، كما أن ستره على نفسه أولى به من ستره على غيره .

أخبرنا خلف بن قاسم ، قال : أخبرنا ابن أبي العقب بدمشق ، قال : أخبرنا أبو زرعة ، قال : أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني حميد بن عبد [ ص: 249 ] الرحمن بن عوف ، أن أمه أخبرته أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ليس بالكذاب الذي يقول خيرا ويرفع خيرا ليصلح بين اثنين وهذا الحديث قد رواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، أنها قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ليس الكذاب الذي يمشي يصلح بين الناس ، فينمي خيرا ، ويقوله .

وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد ، عن يحيى بن أيوب ، عن مالك بن أنس بإسناده ، وروى معمر ، وابن أخي ابن شهاب ، وابن عيينة ، عن الزهري بإسناده مثله بمعنى واحد . رواه عبد الرزاق ، وابن المبارك ، وحماد بن زيد ، وابن علية وموسى بن الحسين ، وهشام بن يوسف ، كلهم عن معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا ، أو نمى خيرا .

حدثنا خلف بن أحمد ، حدثنا أحمد بن مطرف ، حدثنا سعيد بن عثمان ، حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني داود بن عبد الرحمن ، عن ابن خيثم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد الأشعري ، قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الكذب يكتب على ابن آدم إلا [ ص: 250 ] ثلاثا : كذب الرجل امرأته ليصلحها ، ورجل كذب بين اثنين ليصلح بينهما ، ورجل كذب في خدعة حرب .

أخبرنا محمد بن زكرياء ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا مروان بن عبد الملك ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا إبراهيم بن حبيب ، قال : سمعت أبي يقول : كان أبو مجلد بخراسان ، وكان قتيبة بن مسلم يعرض الجند ، فكان إذا أتي برجل قد باع سلاحه ضربه ، قال : فأتي برجل ، فقال له : أين سلاحك ؟ قال : سرق : قال : من يعلم ذلك ؟ قال : أبو مجلد ، قال : عرفت ذلك يا أبا مجلد ؟ قال : نعم ، فتركه ، قيل لأبي مجلد : عرفت ذلك ؟ قال : لا ، قيل : فلم قلته ؟ قال : أردت أن أرد عنه الضرب .

أخبرني سعيد بن نصر ، وإبراهيم بن شاكر ، قالا : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، قال : حدثنا سعد بن معاذ ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : قلت لسفيان بن عيينة : أرأيت الرجل يعتذر إلي من الشيء عسى أن يكون قد فعله ، ويحرف فيه القول ليرضيه ، أعليه فيه حرج ؟ قال : لا ، ألم تسمع قوله : ليس بكاذب من قال خيرا أو أصلح بين الناس وقد قال الله عز وجل : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ) الآية ، [ ص: 251 ] فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله وكراهة أذى المسلمين ، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته ، فإن البغضة حالقة الدين ، قلت : أليس من قال ما لم يكن فقد كذب ؟ قال : لا ، إنما الكاذب الآثم ، فأما المأجور فلا ، ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه السلام : ( إني سقيم ) و ( بل فعله كبيرهم هذا ) وقال يوسف لإخوته : ( إنكم لسارقون ) وما سرقوا وما أثم يوسف ; لأنه لم يرد إلا خيرا ، قال الله عز وجل : ( كذلك كدنا ليوسف ) وقال الملكان لداود عليه السلام : ( خصمان بغى بعضنا على بعض ) ولم يكونا خصمين ، وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن .

وفي حديث هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر إلى المدينة ، أنهما لقيا سراقة بن مالك بن جعشم - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد من أبي بكر أن يكون المقدم على دابته ، ويكون النبي عليه السلام خلفه - فلما لقيا سراقة ، قال لأبي بكر : من الرجل ؟ قال : باغ ، قال : فمن الذي خلفك ؟ قال : هاد ، قال : أحسست محمدا قال : هو ورائي .

[ ص: 252 ] حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، وسعيد بن سيد بن سعيد ، قالا : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أبو عمرو بن أبي زيد ، قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن نصر ، قال : حدثنا محمد بن أحمد البصري ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : سمعت عمر بن الخطاب ، يقول : إن في المعاريض ما يغنيكم عن الكذب . قال : وحدثنا أبو داود الطيالسي ، وأبو عامر العقدي ، وعبد الرحمن بن مهدي ، قالوا : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، قال : صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة ، فكان لا يخطئ يوما إلا أنشدني فيه شعرا ، وسمعته يقول : إن في المعاريض مندوحة عن الكذب .

قال : وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر ، قال : بعثني إبراهيم النخعي إلى زياد بن حدير - أمير على الكوفة - فقال : قل له كذا ، قل له كذا ، قلت : كيف أقول شيئا لم يكن ؟ قال : إن هذا صلح فلا بأس به . ورواه بندار محمد بن بشار ، عن يحيى القطان ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، فذكر مثله .




الخدمات العلمية