الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 284 ] ( والعمرة سنة ) وقال الشافعي رحمه الله : فريضة لقوله عليه الصلاة والسلام { العمرة فريضة كفريضة الحج }. [ ص: 285 - 287 ] ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { الحج فريضة والعمرة تطوع }ولأنها غير موقتة بوقت وتتأدى بنية غيرها كما في فائت الحج ، وهذه أمارة النفلية وتأويل ما رواه أنها مقدرة بأعمال كالحج إذ لا تثبت الفرضية مع التعارض في الآثار . قال : ( وهي الطواف والسعي ) وقد ذكرناه في باب التمتع ، والله أعلم بالصواب .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الثاني : قال عليه السلام : { العمرة فريضة كفريضة الحج }; قلت : غريب ; وروى الحاكم في " المستدرك " ، والدارقطني في " سننه من حديث محمد بن سعيد أبي يحيى حدثنا محمد بن كثير الكوفي ثنا إسماعيل بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الحج والعمرة فريضتان ، لا يضرك بأيهما بدأت }انتهى . قال الحاكم : الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله انتهى .

                                                                                                        فيه إسماعيل بن مسلم المكي ضعفوه ، ولكن لهم آخر في طبقته ثقة ، وقال فيه المكي أيضا ، فليتأمل ; وقال ، ابن القطان في " كتابه " : ومحمد بن سعيد هذا قال فيه البخاري : منكر الحديث ، ولم يرضه ابن حنبل ، وقال : خرقنا حديثه ، قال : ورواه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت موقوفا ، انتهى كلامه . قلت : هكذا أخرجه البيهقي في " سننه " عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن زيد موقوفا ، قال : ورواه إسماعيل بن مسلم عن ابن سيرين مرفوعا ، والصحيح موقوفا انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب { أن رجلا قال : يا رسول الله ما الإسلام ؟ قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وأن تحج وتعتمر }; قال الدارقطني : إسناده صحيح ، قال صاحب " التنقيح " : الحديث [ ص: 285 ] مخرج في " الصحيحين " ليس فيهما : وتعتمر ، وهذه الزيادة فيها شذوذ انتهى . ولم يعزه الشيخ في " الإمام " للدارقطني ، وإنما قال : رواه الحاكم في " كتابه " المخرج على صحيح مسلم ، وأبو بكر الجوزقي الحافظ في " صحيحه " ، وهو حديث فيه طول ، ذكر فيه الإيمان ، والإسلام ، والإحسان ، وهو حديث جبريل عليه السلام ، وفي آخره : { وما عرفته حتى ولى } ، ولم يعزه الشيخ بشيء ، وعزاه عبد الحق في " الجمع بين الصحيحين " للدارقطني في " سننه " كذلك .

                                                                                                        { حديث آخر } : حديث { أبي رزين العقيلي ، قال : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ، ولا العمرة ، ولا الظعن ، قال : احجج عن أبيك ، واعتمر }انتهى . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ; ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، والحاكم في " المستدرك " ، وقال : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ; ورواه الدارقطني في " سننه " ، وقال : رجاله كلهم ثقات انتهى .

                                                                                                        قال صاحب " التنقيح " ، قال الإمام أحمد : لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أصح من هذا ، قال : وفيه نظر ، فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب العمرة ، إذ الأمر فيه ليس للوجوب ، فإنه لا يجب عليه أن يحج عن أبيه . وإنما يدل الحديث على جواز فعل الحج والعمرة عنه لكونه غير مستطيع انتهى كلامه . قلت : سبقه إلى هذا الشيخ تقي الدين في " الإمام " فقال : وفي دلالته على وجوب العمرة نظر ، فإنها صيغة أمر للولد ، بأن يحج عن أبيه ويعتمر ، لا أمر له بأن يحج ويعتمر عن نفسه ، وحجه وعمرته عن أبيه ليس بواجب عليه بالاتفاق ، فلا يكون صيغة الأمر فيها للوجوب ، انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه البيهقي في " سننه " من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الحج والعمرة فريضتان واجبتان }انتهى .

                                                                                                        قال البيهقي : وابن لهيعة غير محتج به ; ورواه ابن عدي في " الكامل " ، وأعله به . [ ص: 286 ]

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه ابن ماجه في " سننه " ، وأحمد في " مسنده " عن محمد بن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن { عائشة أم المؤمنين ; قالت : قلت : يا رسول الله ، على النساء جهاد ؟ قال : عليهن جهاد لا قتال فيه ، الحج والعمرة }انتهى .

                                                                                                        قال صاحب " التنقيح " رحمه الله : وقد أخرجه البخاري في " صحيحه " من رواية غير واحد عن حبيب ، وليس فيه ذكر العمرة ، وأخرجه البخاري أيضا عن سفيان عن معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة ، وليس فيه أيضا ذكر العمرة انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : استدل به ابن الجوزي أيضا في " التحقيق " أخرجه الدارقطني عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده { أن النبي عليه السلام كتب إلى أهل اليمن كتابا ، وبعث به مع عمرو بن حزم ، وفيه أن العمرة الحج الأصغر } ، انتهى .

                                                                                                        قال صاحب " التنقيح " . وسليمان بن داود هذا قال فيه غير واحد من الأئمة : إنه سليمان بن أرقم ، وهو متروك انتهى .

                                                                                                        الآثار : أخرج الحاكم في " المستدرك " عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج ، قال : أخبرني نافع مولى ابن عمر أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان ، من استطاع إلى ذلك سبيلا ، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع ، قال ابن جريج : وأخبرت عن ابن عباس أنه قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا انتهى .

                                                                                                        وقال : إسناده صحيح على شرط الشيخين انتهى . وعلقه البخاري في " صحيحه " ، فقال : وقال ابن عمر : ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة انتهى .

                                                                                                        [ ص: 287 ] أثر آخر : أخرجه الحاكم أيضا من طريق عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا محمد بن كثير ثنا إسماعيل بن مسلم عن عطاء بن أبي رباح عن { ابن عباس ، قال : الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة ، فإن عمرتهم طوافهم ، فليخرجوا إلى التنعيم ، ثم ليدخلوها ، فوالله ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حاجا أو معتمرا } ، وقال : صحيح على شرط مسلم ; وقال البيهقي : قال الشافعي في مناظرة من أنكر عليه القول في وجوب العمرة : الوجوب أشبه بظاهر القرآن ، لأنه قرنها بالحج ، فقيل له : قد أمر النبي عليه السلام الخثعمية أن تقضي الحج عن أبيها ، ولم يأمرها بقضاء العمرة ، فقال : قد يكون الشيء في الحديث ، فيحفظ بعض الحديث دون بعض ، وقد يحفظ كله ، فيؤدي بعضه دون بعض ، وذلك بحسب السؤال انتهى .

                                                                                                        الحديث الثالث : قال عليه السلام : { الحج فريضة والعمرة تطوع }; قلت : غريب مرفوعا ; ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " موقوفا على ابن مسعود ، فقال : حدثنا ابن إدريس ، وأبو أسامة عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الحج فريضة ، والعمرة تطوع انتهى .

                                                                                                        وروى ابن ماجه في " سننه " حدثنا هشام بن عمار عن الحسن بن يحيى الخشني عن عمر بن قيس عن طلحة بن يحيى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الحج جهاد والعمرة تطوع }انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : وعمر بن قيس متكلم فيه .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الترمذي في " جامعه " عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر [ ص: 288 ] { عن جابر بن عبد الله ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة ؟ قال : لا ، وأن تعتمروا هو أفضل }انتهى .

                                                                                                        قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، قال : الشيخ في " الإمام " : هكذا وقع في رواية الكرخي ، ووقع في رواية غيره : حديث حسن لا غير ، قال شيخنا المنذري : وفي تصحيحه له نظر ، فإن الحجاج لم يحتج به الشيخان في " صحيحيهما " ، قال ابن حبان : تركه ابن المبارك ، ويحيى بن القطان ، وابن مهدي ، ويحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، والله أعلم ، ورواه الدارقطني ، ثم البيهقي ، وضعفاه ; قال الدارقطني : الحجاج بن أرطاة لا يحتج به ; وقد رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا ، وقال البيهقي : رفعه الحجاج بن أرطاة ، وهو ضعيف ، انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : رواه الطبراني في " معجمه الصغير " ، والدارقطني في " سننه " عن سعيد بن عفير ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن المغيرة عن أبي الزبير عن جابر ، قال الطبراني : وعبيد الله هذا الذي رواه عن أبي الزبير هو عبيد الله بن أبي جعفر المصري لم يروه عن أبي الزبير غيره ، والمشهور أنه من حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر انتهى . ويحيى بن أيوب ضعيف ، قال الذهبي في " الميزان " : وقد تفرد به سعيد عنه عن جابر .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا نحوه ، وأسند تضعيف نوح عن البخاري ، وابن عدي ، وابن معين ، قال : وهذا يعرف بالحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر ، ولعل أبا عصمة سرقه منه .

                                                                                                        { حديث آخر } : قال الشيخ في " الإمام " : روى عبد الباقي بن قانع حدثنا بشر بن موسى ثنا جرير ، وأبو الأحوص عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الحج جهاد والعمرة تطوع } ، انتهى .

                                                                                                        قال الشيخ : قال ابن حزم : هذا كذب ، من بلايا عبد الباقي بن قانع التي تفرد بها ، وإنما هو مرسل ، رواه معاوية بن إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي صالح ماهان الحنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم وماهان ضعيف ، وأوهم ابن قانع أنه أبو صالح السمان ، وليس كذلك انتهى .

                                                                                                        واعترضه [ ص: 289 ] الشيخ : بأن عبد الباقي بن قانع من كبار الحفاظ ، وأكثر عنه الدارقطني ، وبقية الإسناد ثقات ; وقوله في أبي صالح ماهان الحنفي : إنه ضعيف ، ليس بصحيح ، فقد وثقه ابن معين ; وروى عنه جماعة مشاهير ، قال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : أبو صالح ماهان كوفي ثقة ، روى عنه عمار الذهبي ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وأبو إسحاق الشيباني ، ومعاوية بن إسحاق انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : قال الشيخ : ورواه ابن قانع أيضا عن أحمد بن محمد بن بحير العطار عن محمد بن بكار عن محمد بن الفضل ابن علية عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا نحوه ، ومن دون سالم ثلاثة مجاهيل لا يعرفون ، قاله ابن حزم .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه يحيى بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي عليه السلام ، قال : { من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة ، ومن مشى إلى صلاة تطوع ، فأجره كعمرة تامة } ، وأعله بضعف القاسم ، قال : وروي أيضا عن حفص بن غيلان عن مكحول عن أبي أمامة ، قال ابن حزم : حفص بن غيلان مجهول ، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة ، قال الشيخ : قوله : حفص بن غيلان مجهول ، عجيب منه ، فإنه أبو معيد بياء آخر الحروف شامي مشهور ; قال الدارقطني : روى عنه الوضين بن عطاء ، وزيد بن يحيى ، وعمرو بن أبي سلمة ، ويروى عن مكحول ، والزهري ، ونصر بن علقمة ، وسليمان بن موسى انتهى : من " الإمام " .




                                                                                                        الخدمات العلمية