الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 487 - 489 ] باب الإيلاء

                                                                                                        ( وإذا قال الرجل لامرأته : والله لا أقربك أو قال : والله لا أقربك أربعة أشهر فهو مول ) لقوله تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر }الآية ( فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة ) ; لأن الكفارة موجب الحنث ( وسقط الإيلاء ) ; لأن اليمين ترتفع بالحنث ( وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة ) .

                                                                                                        وقال الشافعي رحمه الله : تبين بتفريق القاضي ; لأنه مانع حقها في الجماع ، فينوب القاضي منابه في التسريح كما في الجب والعنة . ولنا أنه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة ، وهو المأثور عن عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين ، وكفى بهم قدوة ولأنه كان طلاقا في الجاهلية فحكم الشرع بتأجيله إلى انقضاء المدة ( فإن كان حلف على أربعة أشهر فقد سقطت اليمين ) ; لأنها كانت مؤقتة به ( وإن [ ص: 490 ] كان حلف على الأبد فاليمين باقية ) ; لأنها مطلقة ، ولم يوجد الحنث لترتفع به ، إلا أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج ; لأنه لم يوجد منع الحق بعد البينونة ( فإن عاد فتزوجها عاد الإيلاء ، فإن وطئها وإلا وقعت بمضي أربعة أشهر تطليقة أخرى ) ; لأن اليمين باقية لإطلاقها وبالتزوج ثبت حقها فيتحقق الظلم . ويعتبر ابتداء هذا الإيلاء من وقت التزوج ( فإن تزوجها ثالثا عاد الإيلاء ووقعت بمضي أربعة أشهر أخرى إن لم يقربها ) لما بيناه ( فإن تزوجها بعد زوج آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاق ) لتقيده بطلاق هذا الملك ، وهي فرع مسألة التنجيز الخلافية ، [ ص: 491 ] وقد مر من قبل ( واليمين باقية ) لإطلاقها وعدم الحنث ( فإن وطئها كفر عن يمينه ) لوجود الحنث .

                                                                                                        [ ص: 489 ]

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        [ ص: 489 ] باب الإيلاء قوله : عن عثمان ، وعلي ، والعبادلة الثلاثة في " الإيلاء " يقع به تطليقة بمضي أربعة أشهر ; قلت : روى عبد الرزاق في " مصنفه " ثنا معمر عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء : إذا مضت أربعة أشهر ، فهي تطليقة واحدة ، وهي أحق بنفسها ، وتعتد عدة المطلقة انتهى . حدثنا معمر ، وابن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة ، قال : آلى النعمان من امرأته ، وكان جالسا عند ابن مسعود ، فضرب فخذه ، وقال : إذا مضت أربعة أشهر فاعترف بتطليقة انتهى .

                                                                                                        وفي " الموطأ " عن علي خلاف هذا ، مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول : إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه الطلاق ، فإن مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق أو يفيء انتهى . أخبرنا معمر عن قتادة أن [ ص: 490 ] عليا ، وابن مسعود ، وابن عباس ، قالوا : إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة ، وهي أحق بنفسها ، وتعتد عدة المطلقة انتهى .

                                                                                                        وأخرج نحوه عن عطاء ، وجابر بن زيد ، وعكرمة ، وابن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، ومكحول ; وأخرج الدارقطني في " سننه " حديث عطاء الخراساني ، ثم قال : حدثنا أبو بكر الميموني ، قال : ذكرت لأحمد بن حنبل حديث عطاء الخراساني عن أبي سلمة عن عثمان هذا ، فقال : لا أدري ما هو ، قد روي عن عثمان خلافه ، قيل له : من رواه ؟ قال : حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن عثمان ، أنه يوقف ، ثم أخرج عن ابن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب كان يقول : إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة ، وهو أملك بردها ، ما دامت في عدتها انتهى . وابن إسحاق صرح فيه بالتحديث ; وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو معاوية [ ص: 491 ] عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وابن عمر ، قالا : إذا آلى فلم يفئ حتى إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة ، انتهى .

                                                                                                        وأخرج نحوه عن ابن الحنفية ، والشعبي ، والنخعي ، ومسروق ، والحسن ، وابن سيرين ، وقبيصة ، وسالم ، وأبي سلمة ، وفي البخاري عن ابن عمر خلاف ما تقدم ، فقال : حدثنا قتيبة ثنا الليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان : يقول : الإيلاء الذي سمى الله لا يحل لأحد بعد ذلك الأجل ، إلا أن يمسك بالمعروف ، أو يعزم بالطلاق ، كما أمر الله تعالى .

                                                                                                        وقال لي إسماعيل بن أبي أويس : حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر ، قال : إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ، ولا يقع عليه الطلاق ، حتى يطلق ، ويذكر ذلك عن عثمان ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وعائشة ، واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انتهى . وفي " موطأ مالك " أنه بلغه عن مروان بن الحكم أنه كان يقضي في الرجل يولي من امرأته أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة ، وله عليها الرجعة ما كانت في العدة ; قال مالك : وعلى هذا كان رأي ابن شهاب ، مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، أنهما كانا يقولان بنحو ذلك .




                                                                                                        الخدمات العلمية