الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        فصل في اللبس قال : ( لا يحل للرجال لبس الحرير ويحل للنساء ) ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام { نهى عن لبس الحرير والديباج ، وقال : إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة }" وإنما حل للنساء بحديث آخر .

                                                                                                        [ ص: 105 ] وهو ما رواه عدة من رضي الله عنهم منهم علي رضي الله عنه " { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب وقال : هذان محرمان على ذكور أمتي حلال لإناثهم }" ويروى " { حل لإناثهم }" .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        فصل في اللبس

                                                                                                        الحديث الرابع : روي { أنه عليه السلام نهى عن لبس الحرير والديباج ، وقال : إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة }" ; قلت : هما حديثان : فالأول أخرجه الجماعة عن حذيفة .

                                                                                                        وعن البراء بن عازب ، فحذيفة { قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تلبسوا الحرير ، ولا الديباج ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافها ، فإنها لهم في الدنيا ، ولكم في الآخرة }" . انتهى

                                                                                                        وقد تقدم قريبا ، وحديث البراء بن عازب قال : { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع } ، وفيه : وعن الديباج والحرير ; والثاني : أخرجه البخاري ، ومسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر { أن عمر بن الخطاب رأى حلة عند باب المسجد ، فقال : يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة ، وللوفد إذا قدموا [ ص: 105 ] عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ; ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل ، فأعطى عمر منها حلة ، فقال عمر : يا رسول الله كسوتنيها ، وقد قلت ما قلت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أكسكها لتلبسها ، فكساها عمر أخا له مشركا }انتهى . وهذا الأخ ، كان أخا عمر من أمه .

                                                                                                        صرح بذلك في الحديث عند النسائي ، قال : فكساها عمر أخا له من أمه مشركا ، قيل : إن اسمه عثمان بن حكيم ، فأما أخوه زيد بن الخطاب فإنه أسلم قبل عمر ، رواه في " الجمعة واللباس " .

                                                                                                        الحديث الخامس : روي عن عدة من الصحابة : منهم علي رضي الله عنه { أنه عليه السلام خرج وبإحدى يديه حرير ، وبالأخرى ذهب ; وقال : هذان حرامان على ذكور أمتي ، حلال لإناثهم }; قلت : حديث علي رواه أبو داود ، وابن ماجه في " اللباس " ، والنسائي في " الزينة " . وأحمد في " مسنده " ، وابن حبان في " صحيحه " في النوع الثامن عشر ، من القسم الثاني منه عن عبد الله بن زرير الغافقي عن علي بن أبي طالب { أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه ، وأخذ ذهبا ، فجعله في شماله ، ثم قال : إن هذين حرام على ذكور أمتي } ، زاد ابن ماجه : { حل لإناثهم } ، انتهى

                                                                                                        ولحديث علي هذا وجهان : أحدهما : من جهة الليث ، واختلف عليه فيه ، فرواه قتيبة عنه عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي أفلح الهمداني عن عبد الله بن زرير أنه سمع علي بن أبي طالب هكذا ، هكذا أخرجه أبو داود ، والنسائي ، ورواه ابن المبارك عن الليث عن [ ص: 106 ] يزيد بن أبي حبيب عن ابن أبي الصعبة عن رجل من همدان ، يقال له : أفلح عن ابن زرير ، ورواه عيسى بن حماد عن أبيه عن يزيد عن ابن أبي الصعبة عن رجل من همدان يقال له : أبو أفلح عن ابن زرير ، هكذا أخرجه النسائي .

                                                                                                        وقال : وحديث ابن المبارك أولى بالصواب ، إلا قوله : عن أفلح ، فإن أبا أفلح ، أولى بالصواب انتهى

                                                                                                        الوجه الثاني : من جهة ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح الهمداني ، رواه عن محمد بن إسحاق يزيد بن هارون ، ومن جهته أخرجه النسائي ، وعبد الرحيم بن سليمان ، ومن جهته أخرجه ابن ماجه ، وقال : عن أبي الأفلح بالتعريف ، وذكر عبد الحق في " أحكامه " هذا الحديث من جهة النسائي ، ونقل عن ابن المديني أنه قال فيه : حديث حسن ، ورجاله معروفون ، قال ابن القطان في " كتابه " : هكذا قال : وأبو أفلح مجهول ، وعبد الله بن زرير مجهول الحال ، قال الشيخ في " الإمام " : وعبد الله بن زرير ذكره ابن سعد في " الطبقات " ، ووثقه ، وقال : توفي سنة إحدى وثمانين ، في خلافة عبد الملك بن مروان انتهى .

                                                                                                        ولم يعزه شيخنا علاء الدين إلا للنسائي فقط ، وقلد غيره في ذلك ، وكأنه نظر " أحكام عبد الحق " ، فإنه ذكره من جهته فقط . وأما حديث أبي موسى : فأخرجه الترمذي ، والنسائي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حرم لباس الحرير ، والذهب على ذكور أمتي ، وأحل لإناثهم } ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن عمر ، وعلي ، وعقبة بن عامر ، وأم هانئ ، وأنس ، وحذيفة ، وعبد الله بن عمرو ، وعمران بن حصين ، وعبد الله بن الزبير ، وجابر ، وأبي ريحانة ، وابن عمر ، والبراء انتهى .

                                                                                                        ورواه أحمد في " مسنده " ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " ، قال ابن حبان في " صحيحه " : وخبر سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في هذا الباب معلول لا يصح انتهى

                                                                                                        وقال الدارقطني في " كتاب العلل " : وقد رواه أسامة بن زيد عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة ، مولى عقيل عن أبي موسى ، ورواه عبيد الله بن عمر [ ص: 107 ] العمري عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل عن أبي موسى ، قال : وهذا أشبه بالصواب ; لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئا ; ورواه سويد بن عبد العزيز عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي موسى ووهم في موضعين ; في قوله : سعيد المقبري ، وإنما هو سعيد بن أبي هند ، وفي تركه نافعا من الإسناد ، انتهى كلامه .

                                                                                                        وقال في " باب مسند ابن عمر " : وقد روى هذا الحديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، واختلف عنه ، فرواه يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحل الذهب والحرير ، لإناث أمتي ، وحرم على ذكورها } ، وتابعه بقية بن الوليد عن عبيد الله ، وكلاهما وهم ، فقد روى طلق بن حبيب ، قال : قلت لابن عمر : { سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في الحرير شيئا : قال : لا } ، فهذا يدل على وهمهما ، وإنما الصحيح عن عبيد الله عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى ، وسعيد لم يسمعه من أبي موسى ، كما بيناه في مسند أبي موسى والله أعلم انتهى

                                                                                                        وأما حديث عبد الله بن عمرو : فرواه إسحاق بن راهويه ، والبزار ، وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم " ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " ، والطبراني في " معجمه " من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو ، قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم وفي إحدى يديه ثوب من حرير ، وفي الأخرى ذهب ، فقال : إن هذين محرم على ذكور أمتي حل لإناثهم }انتهى

                                                                                                        وأما حديث عمر : فأخرجه البزار في " مسنده " عن عمرو بن جرير عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمر ، بنحو حديث عبد الله بن عمرو سواء ، قال البزار : وعمرو بن جرير لين الحديث ، وقد روي هذا عن غير عمر ، ولا نعلم فيه حديثا ثابتا انتهى .

                                                                                                        وأما حديث ابن عباس : فرواه البزار في " مسنده " أيضا حدثنا إبراهيم بن زياد الصائغ ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس ، بنحوه سواء ; ورواه الطبراني في " معجمه " عن إسماعيل بن مسلم [ ص: 108 ] به . وأما حديث زيد بن أرقم : فرواه ابن أبي شيبة في " مسنده " حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد ثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا ابن زيد بن أرقم أخبرتني أنيسة بنت زيد عن أبيها ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { الذهب والحرير حل لإناث أمتي ، حرام على ذكورها }" انتهى وأما حديث واثلة بن الأسقع : فرواه الطبراني في " معجمه " حدثنا إسماعيل بن قيراط ثنا سليمان بن عبد الرحمن ثنا محمد بن عبد الرحمن حدثتني أسماء بنت واثلة عن أبيها ، بنحو حديث زيد بن أرقم ، سواء . وأما حديث عقبة بن عامر الجهني : فرواه أبو سعيد بن يونس في " تاريخ مصر " حدثنا أحمد بن حماد زغبة ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب حدثني الحسن بن ثوبان ، وعمرو بن الحارث عن هشام بن أبي رقية سمعت مسلمة بن مخلد سمعت عقبة بن عامر الجهني ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، بلفظ حديث زيد بن أرقم .




                                                                                                        الخدمات العلمية