الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 194 - 195 ] ( ولا بأس برزق القاضي ) { ; لأنه عليه الصلاة والسلام بعث عتاب بن أسيد إلى مكة وفرض له وبعث عليا إلى اليمن وفرض له }ولأنه محبوس لحق المسلمين [ ص: 196 ] فتكون نفقته في مالهم وهو مال بيت المال ، وهذا ; لأن الحبس من أسباب النفقة كما في الوصي والمضارب إذا ما سافر بمال المضاربة ، وهذا فيما يكون كفاية ، فإن كان شرطا فهو حرام ; لأنه استئجار على الطاعة ; إذ القضاء طاعة بل هو أفضلها ، ثم القاضي إذا كان فقيرا فالأفضل بل الواجب الأخذ ; لأنه لا يمكنه إقامة فرض القضاء إلا به إذ الاشتغال بالكسب يقعده عن إقامته ، وإن كان غنيا فالأفضل الامتناع على ما قيل رفقا ببيت المال ، وقيل الأخذ ، وهو الأصح صيانة [ ص: 197 ] للقضاء عن الهوان ونظرا لمن يولى بعده من المحتاجين ; لأنه إذا انقطع زمانا يتعذر إعادته ; ثم تسميته رزقا يدل على أنه بقدر الكفاية ، وقد جرى الرسم بإعطائه في أول السنة ; لأن الخراج يؤخذ في أول السنة وهو يعطى منه ، وفي زماننا الخراج يؤخذ في آخر السنة ، والمأخوذ من الخراج خراج السنة الماضية هو الصحيح ; ولو استوفى رزق سنة وعزل قبل استكمالها ، قيل : هو على اختلاف معروف في نفقة المرأة إذا ماتت في السنة بعد استعجال نفقة السنة ، والأصح أنه يجب الرد .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الثامن والأربعون : روي { أنه عليه السلام بعث عتاب بن أسيد إلى مكة ، [ ص: 196 ] وفرض له ، وبعث عليا إلى اليمن ، وفرض له }; قلت : غريب ; وروى الحاكم في " المستدرك في كتاب الفضائل " من طريق إبراهيم الحربي ثنا مصعب بن عبد الله الزبيري ، { قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عامله عليها } ، ومات عتاب بمكة في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، ثم أسند إلى عمرو بن أبي عقرب ، قال : سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول : والله ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثوبين معقدين ، فكسوتهما مولاي انتهى . وسكت عنه ; وروى ابن سعد في " الطبقات في ترجمة عتاب " أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ثنا إبراهيم بن جعفر عن أبيه ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز في خلافته يقول : { قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعتاب بن أسيد عامله على مكة ، كان ولاه يوم الفتح ، فلم يزل عليها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم } ، أخبرنا الضحاك بن مخلد الشيباني ثنا خالد بن أبي عثمان بن خالد بن أسيد عن مولى لهم ، أراه ابن كيسان ، قال : قال عتاب بن أسيد : ما أصبت منذ وليت عملي هذا إلا ثوبين معقدين ، كسوتهما مولاي كيسان انتهى .

                                                                                                        وذكر أصحابنا أنه عليه السلام فرض له سنة أربعين أوقية ، والأوقية أربعون درهما ، وتكلموا في المال الذي رزقه ، ولم تكن يومئذ الدواوين ولا بيت المال ، فإن الدواوين وضعت زمن عمر ، فقيل : رزقه مما أفاء الله عليه ، وقيل : من المال الذي أخذه من نصارى نجران ، والجزية التي أخذها من مجوس هجر . وذكر أبو الربيع بن سالم أنه عليه السلام فرض له كل يوم درهما .

                                                                                                        وفي البخاري في " باب رزق الحكام والعاملين [ ص: 197 ] عليها " ، وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا ، وقالت عائشة : يأكل الوصي بقدر عمالته ، وأكل أبو بكر ، وعمر انتهى .

                                                                                                        وفي " مصنف عبد الرزاق " أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم أن عمر بن الخطاب رزق شريحا ، وسلمان بن ربيعة الباهلي على القضاء انتهى .

                                                                                                        وروى ابن سعد في " الطبقات في ترجمة شريح " أخبرنا الفضل بن دكين ثنا الحسن بن صالح عن ابن أبي ليلى ، قال : بلغني أن عليا رزق شريحا خمسمائة انتهى .

                                                                                                        وروى في " ترجمة زيد بن ثابت " أخبرنا عفان بن مسلم ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا الحجاج بن أرطاة عن نافع ، قال : استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء ، وفرض له رزقا انتهى .

                                                                                                        وروى في " ترجمة أبي بكر " أخبرنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام الدستوائي ثنا عطاء بن السائب ، قال : لما استخلف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غاديا إلى السوق يحمل ثيابا على رقبته ، ليتجر فيها ، فلقيه عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا له : إلى أين يا خليفة رسول الله ، وقد وليت أمر المسلمين ؟ قال : فمن أين أطعم عيالي ، قالا له : انطلق حتى نفرض لك شيئا ، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة ، فقال عمر : إلي القضاء ، وقال أبو عبيدة : وإلي الفيء ، قال عمر : فلقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم فيه إلي اثنان انتهى .

                                                                                                        أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين ، فقال : زيدوني ، فإن لي عيالا ، وقد شغلتموني عن التجارة ، قال : فزادوه خمسمائة ، قال : فإما كانت ألفين فزادوه خمسمائة ، أو كانت ألفين ، وخمسمائة ، وزادوه خمسمائة انتهى .

                                                                                                        أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : بويع أبو بكر الصديق يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، لاثنتي عشرة ليلة [ ص: 198 ] خلت من شهر ربيع الأول ، سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وكان رجلا تاجرا يغدو كل يوم إلى السوق ، فيبيع ويبتاع ، فلما بويع للخلافة ، قال : والله ما يصلح للناس إلا التفرغ لهم ، والنظر في شأنهم ، ولا بد لعيالي مما يصلحهم ، فترك التجارة ، واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ، ويصلح عياله يوما بيوم ، وكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم ، فلما حضرته الوفاة ، قال لهم : ردوا ما عندنا إلى مال المسلمين ، إن أرضي التي هي بمكان كذا وكذا للمسلمين ، بما أصبت من أموالهم ، فدفع ذلك إلى عمر ، فقال عمر : لقد والله أتعب من بعده ، مختصر ; وفي " مصنف عبد الرزاق " أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : { كان معاذ بن جبل رجلا سمحا شابا جميلا : من أفضل شباب قومه ، وكان لا يمسك شيئا ، فلم يزل يدان حتى أغلق ماله ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب إليه أن يحط عنه غرماؤه من الدين ، فأبوا ، فلو ترك لأحد من أجل أحد لتركوا لمعاذ من أجل النبي صلى الله عليه وسلم فباع النبي صلى الله عليه وسلم كل ما له في دينه ، حتى قام معاذ بغير شيء ، فلما كان في عام فتح مكة ، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا ليجيزه فمكث معاذ باليمن أميرا ، وكان أول من اتجر في مال الله ، فمكث حتى أصاب ، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وقدم في خلافة أبي بكر ، فقال عمر لأبي بكر : دع له ما يعيش به ، وخذ سائره منه ، فقال له أبو بكر : إنما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليجيزه ، ولست بآخذ منه شيئا إلا أن يعطيني ، فانطلق عمر إلى معاذ ، فذكر له ذلك ، فقال له معاذ مثل ما قال أبو بكر ، فتركه ، ثم يأتي معاذ إلى أبي بكر ، فقال : أطعت عمر ، وأنا فاعل ما أمرني به ، إني رأيت في المنام أني في حومة ماء ، وقد خشيت الغرق ، فخلصني منه عمر ، ثم أتى بماله ، وحلف أنه لم يكتم شيئا ، فقال له أبو بكر : والله لا آخذه منك ، قد وهبته لك ، فقال عمر : هذا حين طاب ، وحل ، قال : فخرج معاذ عند ذلك إلى الشام } ، قال معمر : فأخبرني رجل من قريش ، قال : سمعت الزهري ، يقول : { لما باع النبي صلى الله عليه وسلم مال معاذ أوقفه للناس ، فقال : من باع من هذا شيئا فهو باطل }انتهى . أخرجه في " البيوع " ، { وبعث علي إلى اليمن }تقدم في " أدب القاضي ، وليس فيه أيضا : أنه فرض له .




                                                                                                        الخدمات العلمية