الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        ( وإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب ) وهو الأبطح ، وهو اسم موضع قد نزل [ ص: 182 ] به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نزوله قصدا هو الأصح حتى يكون النزول به سنة على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه { إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم }يشير إلى عهدهم على هجران بني هاشم فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به فصار سنة كالرمل في الطواف . [ ص: 183 ] قال : ( ثم دخل مكة وطاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها ، وهذا طواف الصدر ) ويسمى طواف الوداع وطواف آخر عهده بالبيت لأنه يودع [ ص: 184 ] البيت ويصدر به ( وهو واجب عندنا ) خلافا للشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام { من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف }ورخص للنساء الحيض تركه ( إلا على أهل مكة ) لأنهم لا يصدرون ولا يودعون ، ولا رمل فيه لما بينا أنه شرع مرة واحدة ويصلي ركعتي الطواف بعده لما قدمنا ( ثم يأتي زمزم ويشرب من مائها ) لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام استقى دلوا بنفسه فشرب منه ، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر }( ويستحب أن يأتي الباب ويقبل العتبة ثم يأتي الملتزم ) وهو ما بين الحجر إلى الباب ( فيضع صدره ووجهه عليه [ ص: 185 ] ويتشبث بالأستار ساعة ثم يعود إلى أهله ) هكذا روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل بالملتزم ذلك ، قالوا : وينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فراق البيت حتى يخرج من المسجد ، فهذا بيان تمام الحج .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث السابع والسبعون : روي { أنه عليه السلام نزل بالمحصب } ، قلت فيه أحاديث : فمنها ما أخرجه البخاري ، ومسلم عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : { قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى : نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر } ، وذلك أن قريشا ، وبني كنانة تحالفت على بني هاشم ، وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بذلك المحصب انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } :

                                                                                                        أخرجه البخاري عن قتادة عن أنس { أن النبي عليه السلام صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم رقد رقدة بالمحصب ، ثم ركب إلى البيت ، فطاف به }انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه مسلم عن نافع عن ابن عمر أن { النبي عليه السلام ، وأبا بكر ، وعمر كانوا ينزلون بالأبطح }انتهى .

                                                                                                        وأخرج أيضا : كان يرى التحصيب سنة ، وكان [ ص: 182 ] يصلي الظهر يوم النفر بالمحصب ، قال نافع : قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده انتهى . والمحصب بضم الميم ، وفتح الحاء المهملة ، وفتح الصاد المهملة المشددة موضع بين مكة ومنى ، وهو إلى منى أقرب وهو بطحاء مكة ، وهو الأبطح ، قاله في " الإمام " عن نافع عن ابن عمر انتهى .

                                                                                                        وأخرج الأئمة الستة في " كتبهم " عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قالت : إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحصب ليكون أسمح لخروجه ، وليس بسنة ، فمن شاء نزله ، ومن شاء لم ينزله انتهى . وأخرج البخاري ، ومسلم عن عطاء عن ابن عباس ، قال : ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                                        وأخرج مسلم { عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ، ولكن جئت فضربت قبته ، فجاء فنزل ، قال أبو بكر رضي الله عنه : وكان على ثقل النبي عليه السلام }انتهى .

                                                                                                        الحديث الثامن والسبعون : روي أنه عليه السلام ، قال لأصحابه : { إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم } ، قلت : أخرجه الجماعة عن عمرو بن عثمان بن عفان عن { أسامة بن زيد ، قال : قلت : يا رسول الله أين تنزل غدا ؟ في حجته ، قال : هل ترك لنا عقيل منزلا ؟ ثم قال : نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر يعني المحصب } ، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ، ولا يؤووهم ، ولا يبايعوهم انتهى .

                                                                                                        وأخرجه البخاري ، ومسلم عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى : نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر } ، وذلك أن قريشا ، وبني كنانة حالفت على بني هاشم ، وبني المطلب أن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بذلك المحصب ، انتهى .

                                                                                                        [ ص: 183 ] الحديث التاسع والسبعون : قال عليه السلام : { من حج هذا البيت ، فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ، ورخص للنساء الحيض } ، قلت : أخرج البخاري ، ومسلم عن طاوس عن ابن عباس ، قال : { أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض } ، انتهى .

                                                                                                        وفي لفظ لمسلم : قال : { كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت }انتهى .

                                                                                                        وأخرج الترمذي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عمر ، قال : من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت ، إلا الحيض ، ورخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                                        وقال : حديث حسن صحيح ، وكذلك رواه النسائي ، ورواه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ورواه الشافعي في " مسنده " ، وزاد فيه : { فإن آخر النسك الطواف بالبيت }.

                                                                                                        ومن أحاديث الباب : حديث الحارث بن عبد الله بن أوس ، قال : أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ، ثم تحيض ، قال : ليكن آخر عهدها بالبيت ، فقالالحارث : كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر : أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي ما أخالف ، انتهى .

                                                                                                        أخرجه أبو داود ، والنسائي عن أبي عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث به ، وأخرجه الترمذي عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث ، قال : سمعت النبي عليه السلام يقول : { من حج هذا البيت ، أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت } ، فقال له عمر : خررت من يديك ، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تخبرنا به انتهى . وقال : غريب ، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد ، انتهى .

                                                                                                        وبهذا الإسناد رواه أحمد في " مسنده " ، والطبراني في " معجمه " ، وقال المنذري في " حواشيه " : سند أبي داود فيه حسن ، وسند الترمذي فيه ضعيف ، ولذلك قال : غريب انتهى . [ ص: 184 ] وقوله في الكتاب : ورخص للنساء الحيض ، هو من تمام الحديث .

                                                                                                        الحديث الثمانون : روي { أنه عليه السلام استقى دلوا بنفسه ، فشرب منه ثم أفرغ باقي الدلو في البئر } ، قلت : رواه ابن سعد في " الطبقات " في " باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم " ، فقال : أخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطاء أن { النبي صلى الله عليه وسلم لما أفاض نزع لنفسه بالدلو يعني من زمزم لم ينزع معه أحد ، فشرب ، ثم أفرغ ما بقي من الدلو في البئر ، وقال : لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لم ينزع منها أحد غيري ، قال : فنزع هو بنفسه الدلو التي شرب منها ، لم يعنه على نزعها أحد }انتهى . وهذا مرسل ، وأخرج أحمد في " مسنده " ، والطبراني في " معجمه " عن ابن عباس ، قال : { جاء النبي عليه السلام إلى زمزم ، فنزعنا له دلوا ، فشرب ، ثم مج فيها ، ثم أفرغناها في زمزم ، ثم قال : لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي }انتهى .

                                                                                                        وروى الأزرقي في " تاريخ مكة " حدثني جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي ، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه أن { النبي صلى الله عليه وسلم أفاض في نسائه ليلا ، فطاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه ، ويقبل طرف المحجن ، ثم أتى زمزم ، فقال : انزعوا ، فلولا أن يغلبوا عليها لنزعت ، أمر بدلو فنزع له منها ، فشرب منه ، ومضمض ، ثم مج في الدلو ، وأمر به فأهريق في زمزم } ، والذي تقدم في حديث جابر الطويل : { فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم ، فقال : انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلوا ، فشرب منه } ، وهذا آخره .

                                                                                                        الحديث الحادي والثمانون : روي { أنه عليه السلام وضع صدره ووجهه بالملتزم } ، قلت : أخرجه أبو داود في " سننه " عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه [ ص: 185 ] شعيب ، قال : { طفت مع عبد الله ، فلما جئنا دبر الكعبة ، قلت : ألا تتعوذ ؟ قال : نعوذ بالله من النار ، ثم مضى حتى استلم الحجر ، وقام بين الركن والباب ، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا ، وبسطهما بسطا ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله }انتهى . والمثنى بن الصباح لا يحتج به انتهى .

                                                                                                        وأخرجه ابن ماجه ، فقال فيه : عن أبيه عن جده ، قال : طفت مع عبد الله ، الحديث . قال المنذري : فيكون شعيب ، وأبوه محمد طافا جميعا مع عبد الله ، وكذلك رواه عبد الرزاق في " مصنفه " ، وإسحاق بن راهويه في " مسنده " ، والدارقطني ، ثم البيهقي في " سننيهما " ، ولفظهما فيه : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم }انتهى .

                                                                                                        ورواه عبد الرزاق أيضا : أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب ، قال : طاف جدي محمد بن عبد الله بن عمرو مع أبيه عبد الله بن عمرو ، فلما كان سابعها ، قال محمد لعبد الله : ألا تتعوذ ؟ ، إلى آخره ، وهذا أصلح إسنادا من الأول ، وروى البيهقي في " شعب الإيمان " عن الحاكم بسنده عن ابن وهب عن سليمان بن بلال عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي الزبير عن عبد الله بن عباس عن النبي عليه السلام ، قال : { ما بين الركن والباب ملتزم } ، وأخرجه ابن عدي في " الكامل عن عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا ، ووقفه عبد الرزاق في " مصنفه " ، فقال : حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد ، قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا الملتزم ما بين الركن والباب انتهى .

                                                                                                        وهو في " الموطأ " بلاغا ، قال أبو مصعب : أخبرنا مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقول : ما بين الركن والباب الملتزم انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية