الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                كِتَابُ النِّكَاحِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ : التَّدَاخُلُ ، تَقُولُ أَنْكَحْتُ الْأَرْضَ الْبَذْرَ ، وَنكَحَتِ الْحَصَاةُ خُفَّ الْبَعِيرِ ، وَالْوَطْءُ تَدَاخُلٌ ، فَسُمِّيَ نِكَاحًا ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ ، وَيُقَالُ : كُلُّ نِكَاحٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ( الْبَقَرَةِ : 230 ) وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّدَاقِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ كَالْعَقْدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا ) ( النُّورِ : 32 ) أَيْ صَدَاقًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَيْ سَبَبَ نِكَاحٍ لَكِنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الْإِضْمَارِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَهُوَ فِي الشَّرْعِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : وَاجِبٌ غَيْرُ مُوَسَّعٍ لِمَنْ خَشِيَ الزِّنَا وَعَجَزَ عَنِ التَّسَرِّي ، وَلَا يَذْهَبُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ ، وَوَاجِبٌ مُوَسَّعٌ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَيَقْدِرُ عَلَى التَّسَرِّي ، وَيَذْهَبُ بِالصَّوْمِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ ، فَإِنْ كَانَ يُذْهِبُهُ الصَّوْمُ وَجَبَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَالزَّوَاجُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) فَقَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَى الصَّوْمِ ، وَالسِّرَارِي تَنْتَقِلُ طِبَاعُهُنَّ لِلْوَلَدِ . وَمَنْدُوبٌ لِآمِنٍ مِنَ الزِّنَا الرَّاغِبِ فِي النِّسَاءِ ، وَهُوَ يُولَدُ لَهُ . وَمُبَاحٌ لِلْمُعْرِضِ عَنِ النِّسَاءِ ، وَهُوَ لَا نَسْلَ لَهُ . وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي التَّسَرِّي . قَالَ صَاحِبُ ( الْمُعْلِمِ ) : وَمَكْرُوهٌ لِمَنْ لَا يَشْتَهِيهِ ، وَيَنْقَطِعُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِوُجُوبِهِ لِظَاهِرِ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي الْحَدِيثِ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ( النِّسَاءِ : 3 ) وَغَيْرِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ( النِّسَاءِ : 4 ) فَخَيَّرَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ لَا يَجِبُ إِجْمَاعًا ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِتَعَذُّرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ وَاجِبًا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) ( الْمُؤْمِنُونَ : 5 ) . فَوَائِدُ : فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : الْبَاءَةُ : الْمَنْزِلُ ، وَيُقَالُ لَهُ : مَبَاءَةٌ ، وَمُبَوَّأٌ . وَلَمَّا كَانَ الْمُتَزَوِّجُ يَتَبَوَّأُ بِامْرَأَتِهِ بَيْتًا سُمِّيَ النِّكَاحُ بَاءَةً ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ : الْمَدُّ مَعَ التَّاءِ وَمَعَ حَذْفِهَا ، وَبَاهَةٌ بِإِبْدَالِ الْهَاءِ مِنَ الْهَمْزَةِ ، وَالْقَصْرُ مَعَ الْهَاءِ . وَقَوْلُهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ . يُرِيدُ الْمَالَ الْمُوَصِّلَ إِلَى الْوَطْءِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَطْءَ ، وَإِلَّا لَفَسَدَ قَوْلُهُ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ النِّكَاحَ غَالِبًا لِإِضْعَافِهِ الْقُوَّةَ ، وَتَجْفِيفِهِ الرُّطُوبَةَ الَّتِي تُوَلِّدُ الْمَنِيَّ ، وَقَدْ يَزِيدُ فِي النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَرْطُوبِينَ ، فَيَقْرُبُونَ بِهِ مِنَ الِاعْتِدَالِ ، فَيَقْوَى عِنْدَهُمْ بِالصَّوْمِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ فِي النَّاسِ . فَرْعٌ النِّكَاحُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَلَى أَحْوَالِ النَّاكِحِينَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَتَرْكُهُ لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ ( ش ) أَفْضَلُ لِمَنْ لَمْ تَمِلْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَعِنْدَ ( ح ) ، وَابْنِ حَنْبَلٍ هُوَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ تَقْدِيمُهُ ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ إِعْفَافَ الزَّوْجَيْنِ وَوُجُودَ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَيُكَاثِرُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ مُتَعَدٍّ لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ ، وَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنَ الْقَاصِرِ ، وَلِتَقْدِيمِهِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الصَّوْمِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ . الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِضَعْفِ مَدْرَكِهِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ شَهْوَةُ النَّفْسِ ، وَشَهْوَةُ النَّفْسِ مُقْتَطَعٌ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِمَا ذَكَرُوهُ ، وَالنَّوَافِلُ قُرُبَاتٌ فِي أَنْفُسِهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالرَّبِّ تَعَالَى بِمَعْزِلٍ عَنِ النَّفْسِ ، وَالْمَقَاصِدُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَسَائِلِ ، وَعَنِ الثَّالِثِ : إِنَّ تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ فِي حَقِّ الشَّبَابِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ فَرْطُ الْمَيْلِ ، وَخَشْيَةُ الْفَسَادِ ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهِمْ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية