الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا أسلم الزوجان أو أحدهما

والنكاح له ثلاثة أحوال :

( 1 ) حال لزوم .

( 2 ) وحال تحريم وفسخ ليس إلا ، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد عليها .

( 3 ) وحال جواز ووقف ، وهي مرتبة بين المرتبتين لا يحكم فيها بلزوم النكاح ، ولا بانقطاعه بالكلية ، وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنة من وجه دون وجه .

ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينة في زمن الهدنة ، وهو مشرك ، سألت امرأته زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل ينزل في دارها ؟ فقال : إنه زوجك ، ولكن لا يصل إليك .

[ ص: 651 ] فالنكاح في هذه المدة لا يحكم ببطلانه ، ولا بلزومه وبقائه من كل وجه ، ولهذا خير أمير المؤمنين المرأة تارة ، وفرق تارة ، وعرض الإسلام على الثاني تارة ، فلما أبى فرق بينهما ، ولم يفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلا ، ولا في موضع واحد .

قال مالك : قال ابن شهاب : كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر ، أسلمت يوم الفتح ، وبقي صفوان حتى شهد " حنينا " و " الطائف " ، وهو كافر ، ثم أسلم ، فلم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح .

[ ص: 652 ] قال ابن عبد البر : وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده .

[ ص: 653 ] وقال الزهري : أسلمت أم حكيم يوم الفتح ، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن ، فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن ، فدعته إلى الإسلام ، فأسلم وقدم فبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - فثبتا على نكاحهما .

وقال ابن شبرمة : كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم الرجل قبل المرأة ، والمرأة قبل الرجل ، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته ، فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما .

[ ص: 654 ] وأسلم أبو سفيان عام الفتح قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة ، ولم تسلم امرأته هند حتى فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فثبتا على نكاحهما وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن [ أبي ] أمية فلقيا [ ص: 655 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح " بالأبواء " فأسلما قبل نسائهما .

[ ص: 656 ] [ ص: 657 ] وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد زينب ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول بعد ست سنين .

قال أبو داود : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول ، لم يحدث شيئا .

[ ص: 658 ] [ ص: 659 ] وفي لفظ له : بعد ست سنين .

وفي لفظ : بعد سنتين .

قال شيخ الإسلام : هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث ، والذي روى أنه جدد النكاح ضعيف .

قال : وكذلك كانت المرأة تسلم ، ثم يسلم زوجها بعدها ، والنكاح بحاله ، مثل أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب ، فإنها أسلمت قبل العباس بمدة .

قال عبد الله بن عباس : كنت أنا وأمي ممن عذر الله بقوله : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) .

[ ص: 660 ] ولما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أسلم نساء الطلقاء ، وتأخر إسلام جماعة منهم [ ص: 661 ] مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل ، وغيرهما ، الشهرين والثلاثة وأكثر ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرقا بين ما قبل انقضاء العدة وما بعدها ، وقد أفتى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بأنها ترد إليه ، وإن طال الزمان .

وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد رجوعه من حصار الطائف ، وقسم غنائم حنين في ذي القعدة ، وكان فتح مكة في رمضان ، فهذا نحو ثلاثة أشهر يمكن انقضاء العدة فيها ، وفيما [ ص: 662 ] دونها ، فأبقاه على نكاحه ، ولم يسأل امرأته هل انقضت عدتك أم لا ؟ ولا سأل عن ذلك امرأة واحدة مع أن كثيرا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها ، وصفوان ابن أمية شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - " حنينا " ، وهو مشرك ، وشهد معه " الطائف " كذلك إلى أن قسم غنائم " حنين " بعد الفتح بقريب من شهرين ، فإن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان ، وغنائم ( حنين ) قسمت في ذي القعدة ، ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة .

قال : وبالجملة ، فتجديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه الذي جاء به لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت ، فإنهم أحوج ما كانوا إلى بيانه ، وهذا كله - مع حديث زينب - يدل على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها من الإسلام فلها أن تتربص ، وتنتظر إسلامه ، فإذا اختارت أن تقيم منتظرة لإسلامه ، فإذا أسلم أقامت معه فلها ذلك ، كما كان النساء يفعلن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كزينب ابنته وغيرها ، ولكن لا يمكنه من وطئها ، ولا حكم له عليها ، ولا نفقة ، ولا قسم ، والأمر في ذلك إليها لا إليه ، فليس هو في هذه الحال زوجا مالكا لعصمتها من كل وجه ، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر وعقد ، بل إسلامه بمنزلة قبوله للنكاح ، وانتظارها بمنزلة الإيجاب .

وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم ، ولا محذور في ذلك ، ولا ضرر على الزوجة فيه ، ولا يناقض ذلك شيئا من قواعد الشرع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث