الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم

ثم قال تعالى : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) .

واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين : أحدهما : أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام .

فأجاب عنه بقوله : ( قل إن الهدى هدى الله ) ، والمعنى : أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر .

والثاني : أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة .

فأجاب عنه بقوله : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) ، والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير ، وقوله ( بيد الله ) أي إنه مالك له قادر عليه ، وقوله : ( يؤتيه من يشاء ) أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ؛ لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ، وقوله : ( والله واسع عليم ) مؤكد لهذا المعنى ؛ لأن كونه واسعا ، يدل على كمال القدرة ، وكونه عليما على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب .

[ ص: 88 ] ثم قال : ( يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) وهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبين بقوله : ( إن الفضل بيد الله ) أنه قادر على أن يؤتي بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال : ( يختص برحمته من يشاء ) والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين أنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث