الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه

جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه

2421 حدثنا محمد بن عبيد الله حدثنا ابن وهب قال حدثني مالك بن أنس قال وأخبرني ابن فلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ح وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه [ ص: 216 ]

التالي السابق


[ ص: 216 ] قوله : ( باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه ) " العبد " بالنصب على المفعولية والفاعل محذوف للعلم به ، وذكر العبد ليس قيدا بل هو من جملة الأفراد الداخلين في ذلك ، وإنما خص بالذكر لأن المقصود هنا بيان حكم الرقيق ، كذا قرره بعض الشراح ، وأظن المصنف أشار إلى ما أخرجه في " الأدب المفرد " من طريق محمد بن عجلان أخبرني سعيد عن أبي هريرة فذكر الحديث بلفظ " إذا ضرب أحدكم خادمه " .

قوله في الإسناد ( حدثني محمد بن عبيد الله ) هو ابن ثابت المدني ; ورجال الإسناد كلهم مدنيون ، وكأن أبا ثابت تفرد به عن ابن وهب ، فإني لم أره في شيء من المصنفات إلا من طريقه .

قوله : ( قال وأخبرني ابن فلان ) قائل ذلك هو أبو ثابت فهو موصول وليس بمعلق ، وفاعل قال هو ابن وهب ، وكأنه سمعه من لفظ مالك وبالقراءة على الآخر . وكان ابن وهب حريصا على تمييز ذلك . وأما " ابن فلان " فقال المزي : يقال هو ابن سمعان ، يعني عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني ، وهو يوهم تضعيف ذلك ، وليس كذلك فقد جزم بذلك أبو نصر الكلاباذي وغيره ، وقاله قبله بعض القدماء أيضا ; فوقع في رواية أبي ذر الهروي في روايته عن المستملي : قال أبو حرب الذي قال " ابن فلان " هو ابن وهب ، وابن فلان هو ابن سمعان .

قلت : وأبو حرب هذا هـو بيان وقد أخرجه الدارقطني في " غرائب مالك " من طريق عبد الرحمن بن خراش بكسر المعجمة عن البخاري " قال : حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المدني " فذكر الحديث لكن قال - بدل قوله : ابن فلان - : " ابن سمعان " فكأن البخاري كنى عنه في الصحيح عمدا لضعفه ، ولما حدث به خارج الصحيح نسبه ، وقد بين ذلك أبو نعيم في " المستخرج " بما خرجه من طريق العباس بن الفضل عن أبي ثابت وقال فيه " ابن سمعان " وقال بعده : أخرجه البخاري عن أبي ثابت فقال : ابن فلان وأخرجه في موضع آخر فقال : ابن سمعان ، وابن سمعان المذكور مشهور بالضعف متروك الحديث كذبه مالك وأحمد وغيرهما وما له في البخاري شيء إلا في هذا الموضع ، ثم إن البخاري لم يسق المتن من طريقه مع كونه مقرونا بمالك بل ساقه على لفظ الرواية الأخرى وهي رواية همام عن أبي هريرة ، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " فليتق " بدل " فليجتنب " وهي رواية أبي نعيم المذكورة ، وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ " إذا ضرب " ومثله للنسائي من طريق عجلان ، ولأبي داود من طريق أبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وهو يفيد أن قوله في رواية همام " قاتل " بمعنى قتل ، وأن المفاعلة فيه ليست على ظاهرها ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلا فينهى دافعه عن القصد بالضرب إلى وجهه ، ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب .

وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجمها وقال : ارموا واتقوا الوجه وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى . قال النووي : قال العلماء : إنما نهى عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن ، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه ، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها ، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها ، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين ا هـ .

والتعليل المذكور حسن ، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر ، فإنه أخرج الحديث المذكور [ ص: 217 ] من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد فإن الله خلق آدم على صورته واختلف في الضمير على من يعود ؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه ، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها . وقال القرطبي : أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " قال : وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في ذلك .

وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال : وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى . قلت : الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال : " من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن " فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه ، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله ، وسيأتي في أول كتاب الاستئذان من طريق همام عن أبي هريرة رفعه : خلق الله آدم على صورته الحديث ، وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل ، وقد قال المازري : غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال : صورة لا كالصور انتهى . وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة " سمعت إسحاق ابن راهويه يقول : صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن . وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول : هو حديث صحيح . وقال الطبراني في كتاب السنة : " حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : قال رجل لأبي : إن رجلا قال : خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال : كذب هو قول الجهمية " انتهى .

وقد أخرج البخاري في " الأدب المفرد " وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا " لا تقولن : قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته " وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك ، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة وجهه " ولم يتعرض النووي لحكم هذا النهي ، وظاهره التحريم . ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي " أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال : أوما علمت أن الصورة محترمة " أخرجه مسلم وغيره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث