الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع السابع عشر معرفة الأفراد

108 - قوله: (ص): " الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقا وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة" ، انتهى.

[اعتراض مغلطاي على ابن الصلاح :]

اعترض عليه العلامة مغلطاي بأنه ذكر أنه تبع الحاكم في ذكره هذا النوع (قال): فكان ينبغي له أن يتبعه في تقسيمه فإنه قسمه إلى ثلاثة أقسام.

قلت: وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح ، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:

أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.

والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.

(والأول ينقسم أيضا إلى نوعين):

أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد .

وأما أمثلة الأول فكثيرة، وقد ذكر شيخنا في منظومة له حديث [ ص: 704 ] ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد في القراءة في الأضحى".

قال شيخنا: "لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة بن سعيد ، وله طريق أخرى من حديث عائشة - رضي الله عنها - سندها ضعيف.

وأما أمثلة الثاني، فكثيرة جدا ومنها في الصحيحين حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، وعن أبي العباس عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في حصار الطائف تفرد به ابن عيينة عن عمرو ، وعمرو عن أبي العباس وأبو العباس عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كذلك.

ومثال النوع الثاني: حديث عائشة - رضي الله عنها – "في صلاة النبي [ ص: 705 ] - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء - رضي الله عنه - له طريقان عنها رواتهما كلهم مدنيون .

قال الحاكم : "تفرد أهل المدينة بهذه السنة" .

وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعا:

1- أحدها: تفرد شخص عن شخص.

2- ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.

3- ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.

4- رابعها: تفرد أهل بلد عن أهل بلد أخرى.

مثال الأول: حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر - رضي الله عنه - في قصة الكدية التي عرضت لهم يوم الخندق .

[ ص: 706 ] أخرجه البخاري ، وقد تفرد به عبد الواحد عن أبيه. وقد روي من غير حديث جابر - رضي الله عنه - .

وأمثلة ذلك في "كتاب الترمذي " كثيرة جدا، بل ادعى بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من الغرائب من هذا القبيل.

وليس كما قال لتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق.

ومثال الثاني: حديث "القضاة ثلاثة" .

تفرد به أهل مرو ، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - وقد جمعت طرقه في جزء.

وكذا حديث يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني في اللقطة . تفرد به أهل المدينة عنه.

[ ص: 707 ] ومثال الثالث: وهو عكس الذي قبله، فهو قليل جدا وصورته أن ينفرد شخص عن جماعة بحديث تفردوا به.

ومثال الرابع: ما رواه أبو دواد من حديث جابر - رضي الله عنه - في قصة المشجوج: إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة .

قال ابن أبي داود فيما حكاه الدارقطني في السنن : "هذه سنة تفرد بها أهل مكة ، وحملها عنهم أهل الجزيرة .

وقول ابن الصلاح : "إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة على ما لم يروه إلا واحد من أهلها" .

قلت: وهذا الإطلاق هو الأكثر، فجميع الأمثلة التي مثل بها الحاكم كذلك، كحديث خالد الحذاء ، عن سعيد بن عمرو ، عن الشعبي عن داود عن المغيرة بن شعبة في النهي عن قيل وقال: تفرد به البصريون عن الكوفيين وإنما تفرد به خالد الحذاء وهو واحد.

وحديث الحسين بن داود عن الفضيل بن عياض ، وعن منصور ، عن [ ص: 708 ] إبراهيم عن علقمة ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تبارك وتعالى: (يا دنيا اخدمي من خدمني) .

قال: تفرد به الخراسانيون عن المكيين ، وإنما انفرد به الحسين ولم يروه غيره، وهو معدود في مناكيره.

وكذلك غالب ما أطلقه أبو داود في كتاب التفرد وكذا ابنه أبو بكر بن أبي داود . - والله أعلم - .

وقد يطلقون تفرد الشخص بالحديث ومرادهم بذلك تفرده بالسياق لا بأصل الحديث.

وفي مسند البزار من ذلك جملة نبه عليها.

تنبيه:

من مظان الأحاديث الأفراد مسند أبي بكر البزار ، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في المعجم الأوسط ثم الدارقطني في كتاب الأفراد . وهو ينبئ على اطلاع بالغ ويقع عليهم التعقب فيه كثيرا بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه.

وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد /.

[ ص: 709 ] وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال أن يريدوا شيئا من ذلك بإطلاقهم، والذي يرد على الطبراني ، ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرد على البزار (لأن البزار ) حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول:

"لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان".

وأما غيره، فيعبر بقوله : "لم يروه عن فلان إلا فلان". وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه - والله أعلم-.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث