الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الثامن عشر معرفة العلل

47 - قوله: (ع): "هكذا أعل الحاكم في [علومه] هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم ..." إلى آخره.

قلت: الحكاية صحيحة قد رواها غير الحاكم على الصحة من غير نكارة، وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب كما سنوضحه، لأن المنكر منها إنما هو قوله: [ ص: 716 ] "إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول، والواقع أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري ".

والحق أن البخاري لم يعبر بهذه العبارة.

وقد رأيت أن أسوق لفظ الحكاية من الطريق التي ذكرها الحاكم وضعفها الشيخ ثم أسوقها من الطريق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا نكارة، ثم أبين حال الحديث ومن أعله أو صححه لتتم الفائدة فأقول:

قال الحاكم - في علوم الحديث : "الجنس الأول من أجناس علل الحديث ".

مثاله: ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب . ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني ثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك .

[ ص: 717 ] قال الحاكم : هذا الحديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة، وهي ما حدثني أبو نصر: أحمد بن محمد الوراق قال: سمعت أبا حامد: أحمد بن حمدون القصار يقول:

سمعت مسلم بن الحجاج - وجاء إلي محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني [حتى] أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ، ثنا مخلد بن يزيد الحراني ، أنا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة المجلس فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل : هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، ثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ، ثنا سهيل ، عن عون بن عبد الله قوله".

قال محمد بن إسماعيل : هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى سماع من سهيل ، انتهى.

[ ص: 718 ] فيا عجباه من الحاكم كيف يقول هنا: إن له علة فاحشة ثم يغفل، فيخرج الحديث بعينه في المستدرك ويصححه.

ومن الدليل على أنه كان غافلا في حال كتابته له في المستدرك (عما) كتبه في علوم الحديث أنه عقبه في المستدرك بأن قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، إلا أن البخاري أعله برواية وهيب ، وعن موسى بن عقبة عن سهيل ، عن أبيه عن كعب الأحبار انتهى.

وهذا الذي ذكره لا وجود له عن البخاري ، وإنما الذي أعله البخاري في جميع طرق هذه الحكاية - هو الذي ذكره الحاكم أولا.

وذلك من طريق وهيب عن سهيل ، عن عون بن عبد الله لا ذكر لكعب فيه البتة، وبذلك أعله أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم كما سأوضحه، وعندي أن الوهم فيها من الحاكم في حال كتابته في علوم الحديث، لأنه رواها خارجا عنه على الصواب رواها عنه البيهقي في المدخل ومن طريقه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه عن أبي المعالي الفارسي عنه قال: أنا أبو عبد الله الحافظ (يعني الحاكم ) قال: سمعت أبا نصر الوراق فذكر الحكاية إلى قوله: في كفارة المجلس. وزاد فقال: قال البخاري :

وحدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قال: ثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج حدثني موسى بن عقبة ..." وساق الحديث، ثم قال:

[ ص: 719 ] قال محمد بن إسماعيل : هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول ... وذكر باقي القصة.

فقوله: "لا أعلم بهذا الإسناد لا اعتراض فيه" بخلاف تلك الرواية التي فيها "لا أعلم في الباب"، فإنه يتجه عليه ما اعترض به الشيخ من أن في الباب عدة أحاديث غير هذا الحديث.

وقد وقعت لي هذه الحكاية من وجه آخر رويناها في كتاب الإرشاد للحافظ أبي يعلى الخليلي قال: "أنا أبو محمد المخلدي في كتابه - أنا أبو حامد الأعمش هو أحمد بن حمدون الحافظ قال: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري بنيسابور فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر في قصة العنبر" .

قال: فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى ابن عقبة عن سهيل ، عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة المجلس.

[ ص: 720 ] فقال مسلم : في الدنيا أحسن من هذا؟ تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ .

فقال محمد بن إسماعيل : لا إلا أنه معلول.

فقال مسلم : لا إله إلا الله وارتعد أخبرني به فقال: استر ما ستر الله فألح عليه وقبل رأسه وكاد أن يبكي فقال: اكتب إن كان ولا بد حدثنا موسى ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله . فقال له مسلم لا يبغضك إلا حاسد وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.

قلت: وهكذا رواها الخطيب في تأريخه عن أبي حازم العبدري عن الحسن بن أحمد الزنجوني عن أحمد بن حمدون مثله.

فهذا اللفظ أولى بأن يعزى إلى البخاري من اللفظ المعزو له في كلام الحاكم في علوم الحديث.

على أن بعض المتأخرين من الحفاظ أول الكلام الذي في علوم الحديث فقال: "الذي ينبغي أن يحمل عليه كلامه في هذه الرواية وغيرها أن يكون مراده بالباب رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالحديث طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

[ ص: 721 ] قلت: وهو حمل متعسف ظاهر التكلف، ثم إنه يرد عليه ما فر منه فإنه روى من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - من غير هذا الوجه. وذلك فيما رواه أبو داود في سننه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا نحو هذا الحديث.

قال عمرو بن الحارث : وحدثني بنحو ذلك عبد الرحمن بن أبي عمرو عن المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخرجه ابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء من طريق ابن وهب هذه.

ولما أخرج الترمذي حديث ابن جريج المبدأ بذكره في كتاب الدعوات من جامعه عن أبي عبيدة بن أبي السفر ، عن حجاج قال: هذا حديث حسن [صحيح] غريب لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه" انتهى.

[ ص: 722 ] وهو متعقب - أيضا - وقد عرفناه من حديث سهيل من غير هذا الوجه فرويناه في الخلعيات مخرجا من أفراد الدارقطني من طريق الواقدي ثنا عاصم ابن عمر وسليمان بن بلال كلاهما عن سهيل به.

ورويناه في كتاب الذكر لجعفر الفريابي قال: ثنا هشام بن عمار : ثنا إسماعيل بن عياش . ثنا سهيل .

ورويناه في الدعاء للطبراني من طريق ابن وهب قال: حدثني محمد بن أبي حميد عن سهيل .

فهؤلاء أربعة رووه عن سهيل من غير الوجه الذي أخرجه الترمذي فلعله إنما نفى أن يكون يعرفه من طريق قوية، لأن الطرق المذكورة لا يخلو واحد منها من مقال.

أما الأولى: فالواقدي متروك الحديث.

وأما الثانية: فإسماعيل بن عياش مضعف في غير روايته عن الشاميين . ولو صرح بالتحديث.

وأما الثالثة: فمحمد بن أبي حميد وإن كان مدنيا، لكنه ضعيف - أيضا - وقد سبق الترمذي أبو حاتم إلى ما حكم به من تفرد تلك الطريق عن سهيل ، فقال: فيما حكاه ابنه عنه في العلل :

"لا أعلم روى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من طرق أبي هريرة - رضي الله عنه - .

قال: وأما رواية إسماعيل بن عياش ، فما أدري ما هي؟، إنما روى عنه إسماعيل أحاديث يسيرة.

[ ص: 723 ] فكأن أبا حاتم استبعد أن يكون إسماعيل حدث به، لأن هشام بن عمار تغير في آخر عمره، فلعله رأى أن هذا مما خلط فيه، ولكن أورد ابن أبي حاتم على إطلاق أبيه طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة التي قدمناها، ثم اعتذر عنه بقوله: كأنه لم يصحح رواية عبد الرحمن بن أبي عمرو عن المقبري .

وهذا يدلك على أنهم قد يطلقون النفي، ويقصدون به نفي الطرق الصحيحة، فلا ينبغي أن يورد على إطلاقهم مع ذلك الطرق الضعيفة - والله الموفق - .

وذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب العلل وحكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة وهم قال: والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قال أحمد : وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه على موسى بن عقبة أخذه عن بعض الضعفاء عنه. قال الدارقطني : والقول قول أحمد .

وقال ابن أبي حاتم - في كتاب العلل : "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث ابن جريج (يعني هذا) فقالا: هذا خطأ رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفا وهذا أصح. قلت لأبي: فالوهم ممن هو؟

قال: يحتمل أن يكون من ابن جريج (ويحتمل أن يكون من سهيل قال: وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه) عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء".

[ ص: 724 ] وقال في موضع آخر : "ولم يذكر فيه ابن جريج الخبر فأخشى أن يكون أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى " .

[اتفاق جماعة من الأئمة على وجود الوهم في هذه الرواية:]

قلت: فاتفق هؤلاء الأئمة على أن هذه الرواية وهم، ولكن لم يجزم أحد منهم بوجه الوهم فيه، بل اتفقوا على تجويز أن يكون ابن جريج دلسه، وزاد أبو حاتم تجويز أن يكون الوهم فيه من سهيل .

فأما الخشية الأولى، فقد أمناها لوجودنا هذا الحديث من طرق عدة عن ابن جريج قد صرح فيها بالسماع من موسى .

[الطرق التي صرح فيها ابن جريج بالتحديث:]

منها: ما تقدم عن البخاري في مساق البيهقي ، عن الحاكم .

ومنها: ما رويناه في "معجم أبي الحسين بن جميع " قال: "ثنا جعفر بن محمد الهمداني ثنا هلال بن العلاء ثنا حجاج بن محمد ثنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة ".

وكذا رويناه في أمالي الضبي من طريق الزعفراني : ثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني موسى .

[ ص: 725 ] وكذا أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في زيادات البر والصلة قال: أنا حجاج بن محمد به.

وكذا رواه الطبراني ، عن أحمد بن زياد الرقي ، عن حجاج به أخرجه أبو نعيم في علوم الحديث عنه.

وقال الطحاوي : ثنا أبو بشر الرقي . ثنا حجاج بن محمد كذلك لكن المحفوظ عن حجاج ليس فيه الخبر كذا هو في رواية الجم الغفير عنه نعم رويناه في "فوائد سمويه " قال: "ثنا سليمان بن داود - وهو الهاشمي - ثنا أبو صفوان: عبد الله بن سعيد ابن عبد الملك . ثنا ابن جريج حدثني موسى بن عقبة ..." فذكره، وكذا رويناه في "فوائد الدسكري " من طريق أسد بن موسى ، عن سعيد بن سالم ، عن ابن جريج أخبرني موسى .

ورويناه في "المعجم الأوسط" من طريق سفيان ، عن ابن جريج أخبرني موسى ".

فزال ما خشيناه من تدليس ابن جريج بهذه الروايات المتظافرة عنه بتصريحه بالسماع من موسى .

وبقي ما خشيه أبو حاتم من وهم سهيل فيه.

وذلك أن سهيلا كان قد أصابته علة نسي من أجلها بعض حديثه ولأجل هذا قال فيه أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به.

[ترجيح رواية وهيب على رواية موسى بن عقبة :]

فإذا اختلف عليه ثقتان في إسناد واحد أحدهما أعرف بحديثه وهو وهيب .

[ ص: 726 ] من الآخر - وهو موسى بن عقبة - قوي الظن بترجيح رواية وهيب ، لاحتمال أن يكون عند تحديثه لموسى بن عقبة لم يستحضره كما ينبغي وسلك فيه الجادة فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - كما هي العادة في أكثر أحاديثه، ولهذا قال البخاري في تعليله "لا نعلم لموسى سماعا من سهيل ".

(يعني) أنه إذا كان غير معروف بالأخذ عنه ووقعت عنه رواية واحدة خالفه فيها من هو أعرف بحديثه وأكثر له ملازمة رجحت روايته على تلك الرواية المنفردة.

وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد كالترمذي كما تقدم وكأبي حاتم ابن حبان فإنه أخرجه في صحيحه وهو معروف بالتساهل في باب النقد، ولا سيما كون الحديث المذكور في فضائل الأعمال - والله أعلم - .

وأما قول شيخنا: إنه ورد في حديث جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - فذكر منهم ثمانية وهم:

1 - أبو برزة الأسلمي .

2 - ورافع بن خديج .

3 - والزبير بن العوام .

4 - وعبد الله بن مسعود .

5 - وعبد الله بن عمرو .

[ ص: 727 ] 6 - والسائب بن يزيد .

7 - وأنس .

8 - وعائشة - رضي الله عنها -

وأنه بين أحاديثهم في تخريج أحاديث الأحياء. فهو كما قال - رضي الله تعالى عنه - .

لكنه إنما بينها في التخريج الكبير الذي مات عن أكثره وهو مسودة فقد لا يصل إلى الفائدة منه كل أحد فرأيت عزوها إلى من خرجها على طريق الاختصار بزيادة كثيرة جدا في العزو إلى المخرجين.

1 - أما حديث أبي برزة ورافع بن خديج - رضي الله تعالى عنهما - ، فهما حديث واحد اختلف فيه على الراوي عنهما أخرجه الدارمي وأبو داود والنسائي من طريق أبي هاشم الرماني ، عن أبي العالية عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - ورجال إسناده ثقات إلا انه اختلف فيه على أبي العالية - فرواه الطبراني في الصغير والحاكم في المستدرك من [ ص: 728 ] طريق مقاتل بن حيان عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - وعلى أبي العالية فيه اختلاف آخر، فقد ذكر أبو موسى المديني أن الربيع بن أنس - رواه أيضا - عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب وعلى أبي العالية فيه اختلاف آخر، فقد رواه زياد بن الحصين عن أبي العالية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا.

وذكر أبو موسى المديني أن جريرا رواه عن فضيل بن عمرو ، عن زياد بن حصين عن معاوية ، كذا قال وكأنه تصحيف وإنما هو عن زياد بن حصين عن أبي العالية .

وكذا رويناه في فوائد ابن عمشليق من طريق أبي نعيم إلى زيادات البر والصلة للحسين بن الحسن المروزي عن مؤمل بن إسماعيل كلاهما عن سفيان الثوري عن منصور عن فضيل بن عمرو عن زياد عن أبي العالية مرسلا وذكر ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة أن المرسل أشبه - والله أعلم - .

[حديث الزبير :]

وأما حديث الزبير بن العوام - فرواه الطبراني في الصغير في ترجمة [ ص: 729 ] محمد بن علي الطرائفي من طريق عبد العزيز بن صهيب عن حبة مولى الزبير (عن الزبير) بن العوام قال: قلنا يا رسول الله إنا إذا قمنا من عندك أخذنا في أحاديث الجاهلية، فقال: - صلى الله عليه وسلم - : "إذا جلستم تلك المجالس التي تخافون فيها على أنفسكم فقولوا عند قيامكم: سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك يكفر عنكم ما أصبتم فيها" .

قال الطبراني : لا يروى عن الزبير (بن العوام) إلا بهذا الإسناد.

[حديث ابن مسعود :]

وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - ذكر الخطيب في "المؤتلف" من طريق الطبراني ، وعن العتيقي ، عن شيخ (شيخ) الطبراني : وهو أبو الفضل الشيباني ، وهو ضعيف.

وفي رواية العتيقي : فإنها كفارات الخطايا والقاذورات.

ورواه ابن عدي في الكامل في ترجمة يحيى بن كثير صاحب البصري من روايته عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعا "كفارة المجلس أن يقول العبد ..." فذكره.

[ ص: 730 ] وهذا من جملة مناكير يحيى بن كثير المذكور وهو ضعيف عندهم لكنه إنما تفرد برفعه فقد رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الذكر" له قال: ثنا خلف بن هشام ، ثنا خالد بن عبد الله - هو الطحان - أحد الأثبات، عن عطاء بن السائب ..." فذكره موقوفا.

وكذا أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "زيادات البر والصلة" له عن سعيد بن سليمان عن خالد .

[حديث عبد الله بن عمرو :]

وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - فرواه الطبراني من طريق محمد بن جامع العطار - وفيه مقال - عن حصين بن نمير عن حصين بن عبد الرحمن ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – فذكره.

[ ص: 731 ] وخالفه محمد بن فضيل ، فرواه في "كتاب الدعاء" عن حصين بن عبد الرحمن موقوفا.

وكذا رواه خالد بن عبد الله الواسطي ، وعبد الله بن إدريس الأودي وغير واحد عن حصين موقوفا.

وله طريق أخرى موقوفة من رواية سعيد المقبري تقدم ذكرها .

[حديث السائب :]

وأما حديث السائب بن يزيد - رضي الله عنه - فرويناه في "الآثار" للطحاوي ، و"معجم الطبراني الكبير" ، و"فوائد سمويه " من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد ، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر قال بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فذكر مثل حديث ابن جريج المبدأ بذكره.

قال يزيد بن الهاد : فحدثت بهذا الحديث يزيد بن خصيفة فقال: [ ص: 732 ] "هكذا حدثني السائب بن يزيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجاله ثقات أثبات والسائب قد صح سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فالحديث صحيح، والعجب أن الحاكم لم يستدركه مع احتياجه إلى مثله وإخراجه لما هو دونه.

[حديث أنس :]

وأما حديث أنس بن مالك - فرواه الطحاوي والطبراني في "الأوسط" وسمويه في "فوائده" كلهم من طريق عثمان بن مطر ، عن ثابت البناني عنه نحو لفظ ابن مسعود - رضي الله عنه - وعثمان ضعيف .

وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: "هذا خطأ رواه حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي الصديق الناجي قوله".

وأخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "زيادات البر والصلة" عن سعيد بن سليمان ، عن فلان بن غياث ، حدثنا ثابت عن أنس - رضي الله عنه - قال: "جاء جبريل عليه الصلاة والسلام، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن كفارات المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" .

[حديث عائشة :]

وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فأخرجه النسائي في اليوم [ ص: 733 ] والليلة من طريق خلاد بن سليمان الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسا ولا تلا قرآنا ولا صلى إلا ختم ذلك بكلمات، فقلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تقول هذه الكلمات فقال - صلى الله عليه وسلم - : نعم من قال: خيرا كن طابعا له على ذلك الخير، ومن قال شرا كانت كفارة له سبحانك الله وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . إسناده صحيح - أيضا - .

وله طريق أخرى عن عائشة - رضي الله عنها - أخرج الحاكم في الدعوات من المستدرك من طريق يحيى بن بكير عن الليث ، عن ابن الهاد عن يحيى بن سعيد ، عن زرارة بن أوفى عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم من مجلس إلا قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقلت له: يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 734 ] "لا يقولهن أحد يقوم من مجلسه (إلا غفر له) ما كان منه في ذلك المجلس" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وروي عن عائشة - رضي الله عنها - بلفظ آخر أخرجه أبو أحمد العسال في كتاب "الأبواب" من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلسه قال: "سبحانك اللهم وبحمدك (لا إله إلا أنت) أستغفرك وأتوب إليك فقلت: يا رسول الله! إن هذا لمن أحب الكلام إليك قال: - صلى الله عليه وسلم - : "إني لأرجو أن لا يقولها عبد إذا قام من مجلسه إلا غفر له" وإسناده حسن.

ورويناه من وجه آخر عن الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن يحيى بن سعيد ، عن زرارة أو ابن زرارة ، عن عائشة - رضي الله عنها - وأخرجه الطحاوي ، عن محمد بن خزيمة وفهد كلاهما عن عبد الله بن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد ، عن زرارة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم من مجلس إلا قال ... فذكره، فقلت له: يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات ... فذكره.

[حديث جبير بن مطعم :]

وأما حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - فرواه النسائي في "اليوم [ ص: 735 ] والليلة" وابن أبي عاصم في "كتاب الدعاء" من طريق ابن عيينة عن ابن عجلان عن مسلم بن أبي حرة ، وداود بن قيس ، عن نافع بن جبير ، عن أبيه ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في غير مجلس ذكر كانت كفارة" .

رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فقال ابن صاعد : تفرد به عبد الجبار بن العلاء ، عن ابن عيينة بقوله: عن نافع بن جبير ، عن أبيه.

قلت: ورواه الليث بن سعد عن ابن عجلان فلم يقل عن أبيه جعله عن نافع بن جبير مرسلا.

وأخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "كتاب البر والصلة" عن ابن عيينة وعلي بن غراب كليهما عن ابن عجلان عن مسلم بن أبي حرة ، عن نافع بن جبير نحوه مرسلا.

[ ص: 736 ] ورويناه في "فوائد علي بن حجر "، عن إسماعيل بن جعفر ، عن داود بن قيس ، عن نافع بن جبير مرسلا - أيضا - .

لكن رواه الحاكم في "المستدرك" والطبراني في "الكبير" من طريق أخرى عن داود بن قيس موصولا.

ووقع لأبي عمر بن عبد البر في هذا الحديث خطأ شديد، وتبعه عليه شيخنا في "محاسن الاصطلاح" ، فإنه قال - في حرف النون في الاستيعاب :

" نافع بن صبرة فخرج حديثه، عن أهل المدينة مثل حديث أبي هريرة في كفارة المجلس".

هذا كلامه، والذي أوقعه في هذا الخطأ التصحيف، فإنه صحف جبير صبرة وهي زيادة الهاء كانت علامة الإهمال على الراء.

ونقل شيخنا كلامه من الاستيعاب مقلدا له فيه ولم ينقده، - والله سبحانه وتعالى الموفق - .

فهذا تخريج الطرق التي ذكرها شيخنا.

[حديث أبي بن كعب ومعاوية :]

ووقع لي في الباب أحاديث لم يذكرها شيخنا منها:

(1 ) ، (2 ) حديث أبي بن كعب ومعاوية كما تقدم في تضاعيف الكلام على طريق أبي برزة - رضي الله عنه -.

[ ص: 737 ] [حديث ابن عمر :]

3 - ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه الحاكم في الدعوات من المستدرك من طريق الليث بن سعد عن خالد بن أبي عمران ، عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - :

إنه لم يكن (يجلس) مجلسا إلا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ... الحديث.

وفيه: وبارك لي في سمعي وبصري ... إلى قوله: "ولا تسلط علي من لا يرحمني" وفيه: فسئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عنهن فقال: (كان) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختم بهن مجلسه.

[حديث أبي أمامة :]

4 - ومنها: حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله تعالى عنه - وقد رواه أبو يعلى في مسنده وابن السني ، في "اليوم والليلة" من طريق جعفر بن الزبير ، عن القاسم عنه مرفوعا: ما جلس قوم في مجلس فخاضوا في حديث فاستغفروا الله عز وجل قبل أن يتفرقوا إلا غفر لهم ما كانوا فيه .

وجعفر بن الزبير المذكور متروك الحديث - والله سبحانه وتعالى أعلم -.

[ ص: 738 ] [حديث أبي سعيد :]

5 - ومنها: حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - رويناه في "كتاب الذكر" لجعفر الفريابي قال: ثنا عمرو بن علي ثنا يحيى بن سعيد ثنا شعبة ثنا أبو هاشم عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "من قال في مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ختمت (بخاتم) فلم تكسر إلى يوم القيامة . إسناده صحيح وهو موقوف، لكن له حكم المرفوع، لأن مثله لا يقال بالرأي.

[حديث علي :]

6 - ومنها /: حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - رواه أبو علي ابن الأشعث في "كتاب السنن" بإسناده المشهور عن أهل البيت -رضوان الله تعالى عليهم- وهو ضعيف.

[حديث رجل من الصحابة:]

7 - ومنها: حديث رجل من الصحابة - رضي الله عنهم - لم يسم

[ ص: 739 ] رويناه في "فوائد ابن خرشيد " قوله من طريق أبي الأحوص عن أبي (فروة ، عن عروة) بن الحارث الهمداني ، عن أبي معشر - وهو زياد بن كليب - قال:

حدثنا رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس مجلسا، فلما أراد أن يقوم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل من القوم: ما هذا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : "كلمات علمنيهن جبريل ، كفارات لما في المجلس" إسناده صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في سننه عن أبي الأحوص وقال الفريابي : ثنا سفيان (عن أبي إسحاق ) ، عن أبي الأحوص أنه كان إذا أراد أن يقوم قال: "سبحان الله وبحمده" .

[حديث أبي أيوب :]

8 - ومنها: حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - رويناه في الذكر - أيضا - لجعفر قال: ثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري ثنا ابن [ ص: 740 ] أبي مريم ، ثنا ابن لهيعة أخبرني يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير أخبره، عن أبي رهم أنه سمع أبا أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - يقول: "إنه ليس من أهل مجلس يذكرون فيه من اللغو والباطل حتى يلتزم بعضهم بعضا بالرؤوس، ثم يقومون، فيقولون: نستغفر الله ونتوب إليه إلا غفر الله لهم ما أحدثوه في المجلس . وابن لهيعة ضعيف يقوي حديثه بالشواهد.

وفي الإسناد ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض أولهم يزيد بن أبي حبيب .

وروى الفريابي في "كتاب الذكر" عن قتيبة ، عن خلف بن خليفة عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال: كفارة المجلس أن تقول حين تقوم: "سبحان الله وبحمده، أشهد أن لا إله الله أستغفره وأتوب إليه" .

ورويناه في "الكنى" لأبي بشر الدولابي قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوهاب ثنا يحيى بن صالح ثنا عبيد الله بن [ ص: 741 ] عمرو عن عبد الكريم - وهو الجزري - أي عن يزيد الفقير قال: إن جبريل عليه السلام علم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في مجلس وأراد أن يقوم أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك اللهم وأتوب إليك" .

هذا مرسل صحيح الإسناد إلى يزيد الفقير - وهو تابعي مشهور.

وفي "الكنى" للنسائي والمرزبان من طريق معمر سمعت الحكم بن أبان حدثني جعفر أبو سلمة قال: "جاء الروح الأمين - عليه الصلاة والسلام - فقال: يا محمد ! ألا أخبرك بكفارة المجلس إذا قمت تقول: سبحانك اللهم وبحمدك صل على محمد عبدك ورسولك اللهم اغفر لنا" .

وأخرج الحسين بن الحسن المروزي في "زيادات البر والصلة" عن الهيثم بن جميل عن حسام بن مصك عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: "حق المجلس إكراما أن تستغفر الله تعالى وتسبحه وتحمده" .

[ ص: 742 ] وعن الفضل بن موسى ثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء في قوله تعالى: وسبح بحمد ربك حين تقوم .

قال: من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرا وإن كان غير ذلك كان هذا كفارة له.

وعن مؤمل ، (عن سفيان ) ، عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: من قال في مجلس سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك [غفر له] أو كلمة نحو هذه .

وهذا أخرجه الفريابي في تفسيره (عن سفيان ) عن حبيب بن [ ص: 743 ] أبي ثابت عن يحيى بن جعدة "من قال في مجلسه: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، غفر له ما أحدث في مجلسه" .

وقال أبو نعيم [في ترجمة] " حسان بن عطية من الحلية :

ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن أبي داود . ثنا محمود بن خالد . ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي ثني حسان قال: ما جلس قوم مجلس لغو فختموا باستغفار إلا كتب مجلسهم ذلك استغفار كله .

رجاله ثقات.

هذا آخر طرق حديث كفارة المجلس على طريق الاختصار أوردتها هنا (تبركا بها).

وأما قول شيخنا: "أنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار " ففي إطلاق التهمة عليه نظر، فإنه من كبار الحفاظ.

وهو أبو حامد: أحمد بن حمدون بن أحمد بن رستم النيسابوري الأعمشي ، وإنما قيل له الأعمشي لأنه كان يعتني بجمع حديث الأعمش [ ص: 744 ] وحفظه وكان يلقب أبا تراب فاجتمع له لقبان في كنيته وفي نسبته ذكره الحاكم في "التأريخ" وقال:

كان من الحفاظ سمع بنيسابور وبمرو وهراة وجرجان والري وبغداد والكوفة والبصرة قال:

وكان مزاحا، سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يقول: حدثنا أحمد بن حمدون إن حلت الرواية "عنه".

فقلت له يوما: هذا الذي تذكره في أبي تراب من جهة المجون الذي كان فيه أو لشيء أنكرته منه في الحديث؟ قال: في الحديث، فقلت له: ما الذي أنكرت عليه؟ فذكر أحاديث حدث بها غير معروفة. فقلت له: أبو تراب مظلوم في كل ما ذكرته. ثم لقيت أبا الحسين الحجاجي ، فحدثته بمجلسي مع أبي علي فقال: القول ما قلته. قال الحاكم : فأما أنا، فقد تأملت أجزاء كثيرة بخطه كتبها لمشايخنا فلم أجد فيه حديثا يكون الحمل فيه عليه، وأحاديثه كلها مستقيمة، سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: حضرت مجلس أبي بكر ابن خزيمة إذ دخل أبو تراب الأعمشي فقال له أبو بكر : يا أبا حامد ! كم روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ؟ فأخذ أبو تراب يذكر الترجمة حتى فرغ منها وأبو بكر يتعجب من مذاكرته .

ثم ساق له الحاكم عدة حكايات مما كان يمزح فيه، ثم قال:

[ ص: 745 ] وإنما ذكرت هذه الحكايات لتعلم أن الذي أنكر عليه إنما هو المجون فأما الانحراف عن رسم أهل الصدق فلا.

قال: وقرأت بخط أبي الفضل الهاشمي : "مات أبو تراب الأعمشي في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة".

قلت: فإذا كان هذا حال هذا الرجل، فلا ينبغي إطلاق التهمة عليه أصلا، حتى ولو قلدنا أبا علي الحافظ فيه، فإنما أشار إلى أنه أنكر عليه أحاديث وهم فيها، فراجعه الحاكم بأنها لو كانت وهما ما عاود روايتها مرارا مع تيقظه وضبطه فوضح أنه لم يتهم بكذب أصلا ورأسا - والله أعلم - .

وفي الجملة اللفظة المنكرة في الحكاية عن البخاري هي أنه قال: "لا أعلم في الباب غير هذا الحديث" وهي من الحاكم في حال كتابته في علوم الحديث كما قدمناه (في كتب أحد عشرة فيها) وقد بينا أن الصواب أن البخاري إنما قال: "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث وهو كلام مستقيم - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث