الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اليمين على المستقبل وتكفيرها قبل الحنث وبعده

جزء التالي صفحة
السابق

باب اليمين على المستقبل وتكفيرها قبل الحنث وبعده

3836 - ( عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها . فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك } وفي لفظ : { فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير } متفق عليهما وفي لفظ : { إذا حلفت على يمين فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير } رواه النسائي وأبو داود ، وهو صريح في تقديم الكفارة ) . [ ص: 273 ]

3837 - ( وعن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير } رواه مسلم .

وفي لفظ : { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه } رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه )

3838 - ( وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير } رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه . وفي لفظ : { فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه } رواه مسلم ) .

3839 - ( وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها } وفي لفظ : { إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير } وفي لفظ { : إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني } متفق عليهن )

3840 - ( وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا نذر ولا يمين فيما لا تملك ، ولا في معصية ، ولا في قطيعة رحم } رواه النسائي وأبو داود ، وهو محمول على نفي الوفاء بها ) .

3841 - ( وعن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا في سعة ، وكان الرجل يقوت أهله قوتا في شدة ، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم } رواه ابن ماجه )

3842 - ( وعن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما قرءا فصيام ثلاثة أيام . متتابعات حكاه أحمد ورواه الأثرم بإسناد ) .

التالي السابق


حديث عمرو بن شعيب ذكر البيهقي أنه لم يثبت وتمامه { ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها } قال أبو داود : [ ص: 274 ] الأحاديث كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم { وليكفر عن يمينه إلا ما لا يعبأ به } قال الحافظ في الفتح : ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو ، وفي بعض طرقه عند أبي داود " ولا في معصية " وأثر ابن عباس رجال إسناده في سنن ابن ماجه رجال الصحيح إلا سليمان بن أبي المغيرة العبسي ولكنه قد وثقه ابن معين ، وقال في التقريب : صدوق ، وأثر أبي بن كعب أخرجه الدارقطني وصححه قوله : ( فائت الذي هو خير ) فيه دليل على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه ، فإن حلف على فعل واجب أو ترك حرام فيمينه طاعة والتمادي واجب والحنث معصية وعكسه بالعكس

وإن حلف على فعل نفل فيمينه طاعة والتمادي مستحب والحنث مكروه ، وإن حلف على ترك مندوب فبعكس الذي قبله ، وإن حلف على فعل مباح ، فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل أو الترك كما لو حلف لا يأكل طيبا ولا يلبس ناعما ففيه عند الشافعية خلاف

وقال ابن الصباغ وصوبه المتأخرون : إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال ، وإن كان مستوى الطرفين فالأصح أن التمادي أولى لأنه قال : " فليأت الذي هو خير " قوله : ( فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير ) هذه الرواية صححها الحافظ في بلوغ المرام ، وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه . وأخرج الحاكم عن عائشة نحوها . وأخرج أيضا الطبراني من حديث أم سلمة بلفظ { فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير }

وفيه دليل على أن الكفارة يجب تقديمها على الحنث ولا يعارض ذلك الرواية المذكورة في الباب قبلها بلفظ { فائت الذي هو خير وكفر } لأن الواو لا تدل على ترتيب إنما هي لمطلق الجمع . على أن الواو لو كانت تفيد ذلك لكانت الرواية التي بعدها بلفظ { فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير } تخالفها ، وكذلك بقية الروايات المذكورة في الباب ، قال ابن المنذر : رأي ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال : لا يجزئ إلا بعد الحنث

وقال أصحاب الرأي : لا تجزئ الكفارة قبل الحنث . وعن مالك روايتان . ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري ، وخالفه ابن حزم واحتج له الطحاوي بقوله تعالى : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم . ورده مخالفوه فقالوا : بل التقدير فأردتم الحنث

قال الحافظ : وأولى من ذلك أن يقال : التقدير أعم من ذلك فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر واحتجوا أيضا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين . ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا . واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع فلا يقوم التطوع مقام المفروض

وانفصل عنه من [ ص: 275 ] أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزئ كما في تقديم الزكاة . وقال عياض : اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث ، واستحب الإمام مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث

قال عياض : ومنع بعض المالكية تقديم كفارة حنث المعصية لأن فيه إعانة على المعصية ، ورده الجمهور . قال ابن المنذر : واحتج للجمهور بأن اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يدل على تعيين أحد الأمرين

والذي يدل عليه أنه أمر الحالف بأمرين ، فإذا أتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به ، وإذا دل الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر فاحتج للجمهور بأن عقد اليمين ما كان يحله الاستثناء وهو كلام فلأن تحله الكفارة وهي فعل مالي أو بدني أولى ، ويرجح قولهم أيضا بالكثرة . وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا ، وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة . وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم ، ولولا الإجماع المحكي سابقا على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب لما سلف

قال المازري : للكفارة ثلاث حالات : أحدها . قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا . ثانيها : بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقا . ثالثها : بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف . والأحاديث المذكورة في الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير

وفي حديث عمرو بن شعيب المذكور بعضه في الباب ما يدل على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو الكفارة ، وقد ذكرنا ذلك وذكرنا أن أبا داود قال : إنه ما ورد من ذلك إلا ما لا يعبأ به . قال الحافظ : كأنه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته } ويحيى ضعيف جدا وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك فإنه أخرجه عنه بلفظ { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه } هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ { فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير } ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي ، والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد قوله : ( كان الرجل يقوت أهله . . . إلخ ) فيه أن الأوسط المنصوص عليه في الآية الكريمة هو المتوسط ما بين قوت الشدة والسعة قوله : ( إنهما قرءا فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) قراءة الآحاد منزلة منزلة أخبار الآحاد صالحة لتقييد المطلق وتخصيص العام كما تقرر في الأصول ، وخالف في وجوب التتابع عطاء ومالك والشافعي والمحاملي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث