الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جامع الدين والحول

وحدثني مالك عن موسى بن ميسرة أنه سمع رجلا يسأل سعيد بن المسيب فقال إني رجل أبيع بالدين فقال سعيد لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك قال مالك في الذي يشتري السلعة من الرجل على أن يوفيه تلك السلعة إلى أجل مسمى إما لسوق يرجو نفاقها فيه وإما لحاجة في ذلك الزمان الذي اشترط عليه ثم يخلفه البائع عن ذلك الأجل فيريد المشتري رد تلك السلعة على البائع إن ذلك ليس للمشتري وإن البيع لازم له وإن البائع لو جاء بتلك السلعة قبل محل الأجل لم يكره المشتري على أخذها قال مالك في الذي يشتري الطعام فيكتاله ثم يأتيه من يشتريه منه فيخبر الذي يأتيه أنه قد اكتاله لنفسه واستوفاه فيريد المبتاع أن يصدقه ويأخذه بكيله إن ما بيع على هذه الصفة بنقد فلا بأس به وما بيع على هذه الصفة إلى أجل فإنه مكروه حتى يكتاله المشتري الآخر لنفسه وإنما كره الذي إلى أجل لأنه ذريعة إلى الربا وتخوف أن يدار ذلك على هذا الوجه بغير كيل ولا وزن فإن كان إلى أجل فهو مكروه ولا اختلاف فيه عندنا قال مالك لا ينبغي أن يشترى دين على رجل غائب ولا حاضر إلا بإقرار من الذي عليه الدين ولا على ميت وإن علم الذي ترك الميت وذلك أن اشتراء ذلك غرر لا يدرى أيتم أم لا يتم قال وتفسير ما كره من ذلك أنه إذا اشترى دينا على غائب أو ميت أنه لا يدرى ما يلحق الميت من الدين الذي لم يعلم به فإن لحق الميت دين ذهب الثمن الذي أعطى المبتاع باطلا قال مالك وفي ذلك أيضا عيب آخر أنه اشترى شيئا ليس بمضمون له وإن لم يتم ذهب ثمنه باطلا فهذا غرر لا يصلح قالمالك وإنما فرق بين أن لا يبيع الرجل إلا ما عنده وأن يسلف الرجل في شيء ليس عنده أصله أن صاحب العينة إنما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها فيقول هذه عشرة دنانير فما تريد أن أشتري لك بها فكأنه يبيع عشرة دنانير نقدا بخمسة عشر دينارا إلى أجل فلهذا كره هذا وإنما تلك الدخلة والدلسة

التالي السابق


1380 1362 - ( مالك عن موسى بن ميسرة أنه سمع رجلا يسأل سعيد بن المسيب فقال : إني رجل أبيع بالدين ، فقال سعيد : لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك ) قال الباجي : لما علم أنه يداين الناس خاف عليه العينة لذريعة ، أن يبيع ما لم يملكه أو ما يشتريه بعد موافقة المبتاع منه على بيعه بثمن يتفقان عليه ، وربما يولى قبضه هذا المبتاع الأخير فيكون كأنه أسلفه ثمنه [ ص: 487 ] الذي ابتاعه به في ثمنه الذي باعه منه به وهو أكثر منه .

( قال مالك في الذي يشتري السلعة من الرجل على أن يوفيه تلك السلعة إلى أجل مسمى إما لسوق يرجو نفاقه ) بفتح النون أي رواجه ليربح في السلعة ، وفي نسخة نفاقها ، أي السلعة به ( وإما لحاجة ) له بالسلعة ( في ذلك الزمان الذي اشترط عليه ) أن يوفيها إياه فيه ( ثم يخلفه البائع عن ذلك الأجل فيريد المشتري رد تلك السلعة على البائع أن ذلك ليس للمشتري ، وأن البيع لازم له ) لأنه بمنزلة الدين ( وأن البائع لو جاء بتلك السلعة قبل محل الأجل لم يكره ) أي يجبر ( المشتري على أخذها ) لأن له غرضا في التأخير الذي وقع البيع عليه .

( قال مالك في الذي يشتري الطعام فيكتاله ثم يأتيه من يشتريه منه فيخبر ) أي يعلم ( الذي يأتيه أنه قد اكتاله لنفسه واستوفاه ) قبضه ( فيريد المبتاع أن يصدقه ويأخذه بكيله أنه ما بيع على هذه الصفة بنقد ) أي معجلا ( فلا بأس به ) أي يجوز ، ومثل الكيل الوزن .

( وما بيع على هذه الصفة إلى أجل فإنه مكروه حتى يكتاله المشتري الآخر لنفسه ) وفي الحديث : " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله " .

( وإنما كره الذي إلى أجل لأنه ذريعة ) بذال معجمة : وسيلة ( إلى الربا ) يريد أنه لم يصدقه إلا من أجل الأجل ، فكأنه أخذ للأجل ثمنا ، قاله أبو عمر .

( وتخوف ) بفوقية والرفع عطف على ذريعة ( أن يدار ) من الإدارة ( ذلك على هذا الوجه بغير كيل ولا وزن ) فيؤدي إلى تعداد البيع للطعام قبل القبض ( فإن كان إلى أجل فهو مكروه ) أي ممنوع ( ولا اختلاف فيه عندنا ) [ ص: 488 ] بالمدينة ( قال مالك : لا ينبغي أن يشترى دين على رجل غائب ) إن لم يكن به بينة لأنه غرر كشراء الآبق ، ولعله ينكر فيبطل ، وإن نقد كان أشد ؛ لأنه يكون تارة بيعا وتارة سلفا ، قاله الباجي : ( ولا حاضر إلا بإقرار الذي عليه الدين ، ولا على ميت وإن علم الذي ترك الميت ، وذلك أن اشتراء ذلك غرر ) لأنه ( لا يدري أيتم أم لا يتم ، وتفسير ما كره من ذلك ) أي بيان وإيضاح وجه الكراهة بمعنى المنع ( أنه إذا اشترى دينا على غائب أو ميت أنه لا يدرى ما يلحق الميت من الدين الذي لم يعلم به ، فإن لحق الميت ) أي كان عليه ( دين ذهب الثمن الذي أعطى المبتاع باطلا ) وقد نهي عن إضاعة المال ( وفي ذلك أيضا عيب آخر أنه اشترى شيئا ليس بمضمون له وإن لم يتم ذهب ثمنه باطلا ، فهذا غرر لا يصلح ) فهو بيع فاسد ( وإنما فرق بين أن لا يبيع الرجل إلا ما عنده ) ويمنع بيع ما ليس عنده ( وبين أن يسلف ) أي يسلم ( الرجل في شيء ليس عنده ) فيجوز ( أصله ) أي بناؤه الذي بني عليه ( أن صاحب العينة ) بكسر العين وإسكان التحتية وبالنون ( إنما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها فيقول هذه عشرة دنانير فما تريد أن أشتري لك بها ؟ فكأنه يبيع عشرة دنانير نقدا بخمسة عشر دينارا إلى أجل ، فلهذا كره هذا ) سدا للذريعة ( وإنما تلك الدخلة ) مثلث الدال المهملة وسكون المعجمة كما في القاموس ، أي النية إلى التوصل إلى الربا ( والدلسة ) بضم الدال التدليس ، قال الباجي : روى جعفر بن أبي وحشية عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه [ ص: 489 ] منه ثم أبتاعه من السوق فقال : لا تبع ما ليس عندك " وهذا أحسن أسانيد هذا الحديث .

وأما السلم فله حكمه ولا يصح إلا مؤجلا ، وإذا جوزنا السلم الحال حمل الحديث أن بيع ما ليس عنده هو أن يبيعه شيئا معينا ويضمن خروجه من ملك ربه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث