الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


تنبيه : حكى القاضي أبو بكر في " الانتصار " عن قوم : إنكار هذا الضرب ; لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها .

وقال أبو بكر الرازي : نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ، ويرفعه من أوهامهم ، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف ، فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى [ الأعلى : 18 - 19 ] . ولا يعرف اليوم منها شيء . ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن ، أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ، ثم ينسيه الله الناس ، ويرفعه من أذهانهم . وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .

وقال في " البرهان " في قول عمر : ( لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها ) - يعني آية الرجم - ظاهره أن كتابتها جائزة ، وإنما منعه قول الناس ، والجائز في [ ص: 666 ] نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة ; لأن هذا شأن المكتوب .

وقد يقال : لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ، ولم يعرج على مقالة الناس ; لأن مقالة الناس لا تصلح مانعا . وبالجملة هذه الملازمة مشكلة ، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد ، والقرآن لا يثبت به ، وإن ثبت الحكم ، ومن هنا أنكر ابن ظفر في ( " الينبوع " ) عد هذا مما نسخ تلاوته قال ; لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن .

قال : وإنما هذا من المنسأ لا النسخ ، وهما مما يلتبسان ، والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه . انتهى .

وقوله : ( لعله كان يعتقد أنه خبر واحد ) مردود ، فقد صح أنه تلقاها من النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت ، قال : كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف ، فمرا على هذه الآية فقال زيد : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ) ، فقال عمر : لما نزلت أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أكتبها ؟ فكأنه كره ذلك ، فقال عمر : ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد ، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم .

قال ابن حجر في شرح المنهاج : فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها ; لكون العمل على غير الظاهر من عمومها .

قلت : وخطر لي في ذلك نكتة حسنة ، وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف ، وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها ، وأغلظ الحدود ، وفيه الإشارة إلى ندب الستر .

وأخرج النسائي : أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت : ألا تكتبها في [ ص: 667 ] المصحف ؟ قال : ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ! ولقد ذكرنا ذلك ، فقال عمر : أنا أكفيكم ، فقال : يا رسول الله ، اكتب لي آية الرجم قال : لا تستطيع .

قوله : ( اكتب لي ) أي : ائذن لي في كتابتها ، أو مكني من ذلك .

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن ، عن يعلى بن حكيم ، عن زيد بن أسلم : أن عمر خطب الناس ، فقال : لا تشكو في الرجم ، فإنه حق ، ولقد هممت أن أكتبه في المصحف ، فسألت أبي بن كعب ، فقال : أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدفعت في صدري وقلت : تستقرئه آية الرجم ، وهم يتسافدون تسافد الحمر ؟ .

قال ابن حجر : وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها ، وهو الاختلاف .

تنبيه : قال ابن الحصار في هذا النوع : إن قيل : كيف يقع النسخ إلى غير بدل ، وقد قال تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها [ البقرة : 106 ] . وهذا إخبار لا يدخله خلف ؟ .

فالجواب : أن تقول : كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته ، وكل ما نسخه الله من القرآن - مما لا نعلمه الآن - فقد أبدله بما علمناه ، وتواتر إلينا لفظه ومعناه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث