الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم الرهن

جزء التالي صفحة
السابق

وكذلك ليس للعدل أن يبيع الرهن ، كما ليس للراهن ولا للمرتهن ذلك ، والكلام في العدل في ثلاثة مواضع : أحدها في بيان ما للعدل أن يفعله في الرهن وما ليس له أن يفعله فيه .

والثاني في بيان من يصلح عدلا في الرهن ومن لا يصلح والثالث في بيان ما ينعزل به العدل يخرج عن الوكالة وما لا ينعزل .

( أما ) الأول فنقول وبالله التوفيق : للعدل أن يمسك الرهن بيده وبيد من يحفظ ماله بيده ، وليس له أن يدفعه إلى المرتهن بغير إذن الراهن ، ولا إلى الراهن بغير إذن المرتهن قبل سقوط الدين ; لأن كل واحد منهما لم يرض بيد صاحبه حيث وضعاه في يد العدل .

ولو دفعه إلى أحدهما من غير رضا صاحبه ، فلصاحبه أن يسترده ويعيده إلى يد العدل كما كان ، ولو هلك قبل الاسترداد ، ضمن العدل قيمته ; لأنه صار غاصبا بالدفع ، وليس له أن ينتفع [ ص: 149 ] بالرهن ولا أن يتصرف فيه بالإجارة والإعارة والرهن وغير ذلك ; لأن الثابت له بالوضع في يده هو حق الإمساك لا الانتفاع والتصرف ، وليس له أن يبيعه ; لما قلنا ، إلا إذا كان مسلطا على بيعه في عقد الرهن أو متأخرا عنه فله أن يبيعه ; لأنه صار وكيلا بالبيع إلا أن التسليط إذا كان في العقد ، لا يملك عزله من غير رضا المرتهن ، وإذا كان متأخرا عن العقد ، يملك ; لما ذكرنا ، وله أن يبيع الزيادة المتولدة من الرهن ; لكونها مرهونة تبعا للأصل .

وكذا له أن يبيع ما هو قائم مقام الرهن ، نحو أن كان الرهن عبدا فقتله عبد أو فقأ عينه ; لأنه إذا قام مقامه ، جعل كأن الأول قائم ، ثم إذا سلطه على البيع مطلقا ، فله أن يبيعه بأي جنس كان من الدراهم والدنانير وغيرهما ، وبأي قدر كان بمثل قيمته أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه ، وبالنقد والنسيئة عند أبي حنيفة ، وله أن يبيع قبل حلول الأجل ; ; لأن الأمر بالبيع مطلق ، وإذا باع ، كان الثمن رهنا عنده إلى أن يحل الأجل ; ; لأن ثمن المرهون مرهون ، فإذا حل الأجل أوفى دين المرتهن إن كان من جنسه ، وإن سلط على البيع عند المحل ، لم يكن له أن يبيعه قبله ; لما قلنا ولو كان الرهن بالمسلم فيه فسلطه على البيع عند المحل فله أن يبيعه بجنس المسلم فيه وغيره عند أبي حنيفة ، وعندهما يبيعه بالدراهم والدنانير وبجنس المسلم فيه وهي مسألة الوكيل بالبيع المطلق أنه يبيع بأي ثمن كان عند أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد ليس له أن يبيع بما لا يتغابن الناس فيه ولا بالنسيئة ولا بغير الدراهم والدنانير ، إلا أنهما جوزا ما في مسألة السلم بجنس المسلم فيه ; لأن الأمر بالبيع لقضاء الدين من ثمنه ، والجنس أقرب إلى القضاء منه .

ولو نهاه الراهن عن البيع بالنسيئة فإن نهاه عند عقد الرهن ، ليس له أن يبيع بالنسيئة ; ; لأن التوكيل حصل مقيدا فيلزمه مراعاة القيد متأخرا إذا كان التقييد مفيدا ، وهذا النوع من التقييد مفيد ولو نهاه متأخرا عن العقد ، لم يصح نهيه ; ; لأن التقييد المتراخي إبطال من حيث الظاهر ، كالتخصيص المتراخي عن النص العام عند بعض مشايخنا ، حتى جعلوه فسخا لا بيانا ، وإذا كان إبطالا لا يملكه الراهن كما لا يملك إبطال الوكالة الثابتة عند العقد بالعزل ، ثم إذا باع العدل الرهن ، خرج عن كونه رهنا ; لأنه صار ملكا للمشتري وصار ثمنه هو الرهن ; ; لأنه قام مقامه سواء كان مقبوضا أو غير مقبوض ، حتى لو توي عند المشتري ، كان على المرتهن ويهلك بالأقل من قدر الثمن ومن الدين ، ولا ينظر إلى قيمة المبيع بل ينظر إلى الثمن بعد البيع ; ; لأن الرهن انتقل إلى الثمن ، وخرج المبيع عن كونه رهنا فتعتبر قيمة الرهن ، ثم إن باعه بجنس الدين ، قضى دين المرتهن منه ، وإن باعه بخلاف جنسه ، باع الثمن بجنس الدين وقضى الدين منه ; ; لأنه مسلط على بيع الرهن ، وقضاء الدين من ثمنه وقضاء الدين من جنسه يكون ولو باع العدل الرهن ثم استحق في يد المشتري ، فللمشتري أن يرجع بالثمن على العدل ; ; لأن العاقد هو وحقوق العقد في باب البيع ترجع إلى العاقد ، والعدل بالخيار إن شاء يسترد من المرتهن ما أوفاه من الثمن وعاد دينه على الراهن كما كان ، وإن شاء رجع بما ضمن على الراهن وسلم للمرتهن ما قبض .

( أما ) ولاية استرداد الثمن من المرتهن ; فلأن البيع قد بطل بالاستحقاق ، وتبين أن قبض الثمن من المرتهن لم يصح ، فله أن يسترد منه ، وإذا استرده ، عاد الدين على حاله .

( وأما ) الرجوع بما ضمن على الراهن فله أن يرجع بالعهدة عليه ، وإذا رجع عليه ، سلم للمرتهن ما قبضه ; ; لأنه صح قبضه ، هذا إذا سلم الثمن إلى المرتهن ، فإن كان هلك في يده قبل التسليم ، ليس له أن يرجع إلا على الراهن ; لأنه وكيل الراهن بالبيع عامل له ، فكان عهدة عمله عليه في الأصل لا على غيره ، إلا أن له أن يرجع على المرتهن إذا قبض الثمن ; لما ذكرنا ، فإذا لم يقبض وجب العمل بالأصل فيرجع على الراهن بما ضمن ، وبطل الرهن بالاستحقاق ويرجع المرتهن بدينه على الراهن .

ولو لم يستحق الرهن ولكن المشتري وجد به عيبا كان له أن يرده على العدل ; لأن الرد بالعيب من حقوق البيع وأنها ترجع إلى العاقد ، والعاقد هو العدل فيرد عليه ويسترد منه الثمن الذي أعطاه ، والعدل بالخيار إن كان رده عليه بقضاء القاضي ، إن شاء رجع على المرتهن ; إن كان سلم الثمن إليه ، وإن شاء رجع على الراهن أما على المرتهن ; فلأنه إذا رد عليه بعيب بقضاء القاضي ، فقد انفسخ البيع ، فكان له أن يرجع بالثمن وعاد دين المرتهن على الراهن ، وعاد الرهن المردود رهنا بالدين .

( وأما ) الرجوع على الراهن ; فلأنه وكله بالبيع فيرجع عليه بالعهدة ، وإن كان العدل لم يعط المرتهن الثمن فإن رد العدل ما قبض من الثمن ، فلا يرجع على [ ص: 150 ] أحد ، وإن كان هلك في يده وضمن في ماله ، يرجع بما ضمن على الراهن خاصة دون المرتهن ; لما ذكرنا في الاستحقاق ، ويكون المردود رهنا كما كان ، هذا إذا كان بيع العدل بتسليط مشروط في عقد الرهن ، فأما إذا كان بتسليط وجد من الراهن بعد الرهن ، فإن العدل يرجع بما ضمن على الراهن لا على المرتهن ، سواء قبض المرتهن الثمن أو لم يقبضه ; ; لأنه وكيل الراهن ، وعهدة الوكيل فيما وكل به على موكله في الأصل ; ; لأنه عامل له ، فكان عهدة عمله عليه ، إلا أن التسليط إذا كان مشروطا في العقد ، يثبت له حق الرجوع على المرتهن ; لتعلق حقه بهذه الوكالة على ما نذكر إن شاء الله تعالى فإذا وقع البيع لحقه ، جاز أن يرجع بالضمان عليه ، وإذا لم يكن مشروطا فيه ، لم يثبت التعليق فبقي حق الرجوع بالعهدة على الموكل على حكم الأصل ، وللعدل أن يبيع الزوائد المتولدة من الرهن ; لأنها مرهونة تبعا للأصل ; لثبوت حكم الرهن فيها ، وهو حق الحبس تبعا فله أن يبيعها كما له أن يبيع الأصل وكذا العبد المدفوع بالجناية على الرهن بأن قتل الرهن أو فقأ عينه فدفع به للعدل أن يبيعه ; لأن الثاني قائم مقام الأول لحما ودما ، فصار كأن الأول قائم ، وللعدل أن يمتنع من البيع ، وإذا امتنع ، لا يجبر عليه ، وإن كان التسليط على البيع بعد الرهن وإن كان في الرهن ، لم يكن له أن يمتنع عنه .

ولو امتنع يجبر عليه ; لأن التسليط إذا لم يكن مشروطا في الرهن لم يتعلق به حق المرتهن فكان توكيلا محضا بالبيع ، فأشبه التوكيل بالبيع في سائر المواضع ، وإذا كان مشروطا فيه كان حق المرتهن متعلقا به فله أن يجبره على البيع ; لاستيفاء حقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث