الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ما يتعلق بحال هلاك المرهون

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الذي يتعلق بحال هلاك المرهون : فالمرهون إذا هلك ، لا يخلو إما أن يهلك بنفسه وإما أن يهلك بالاستهلاك ، فإن هلك بنفسه ، يهلك مضمونا بالدين عندنا .

والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع : أحدها في بيان أصل الضمان أنه ثابت أم لا ، والثاني في بيان شرائط الضمان ، والثالث في بيان قدر الضمان وكيفيته أما الأول فقد اختلف فيه قال أصحابنا رضي الله عنهم : إن المرهون يهلك مضمونا بالدين ، وقال الشافعي رحمه الله : يهلك أمانة احتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يغلق الرهن ، لا يغلق الرهن ، لا يغلق الرهن ، هو لصاحبه الذي رهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه } فقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام غرم الرهن على الراهن ، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة ; لأن عليه قضاء دين المرتهن ، فأما إذا هلك مضمونا ، كان غرمه على المرتهن حيث سقط حقه ، لا على الراهن ، وهذا خلاف النص ; ولأن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين .

ولو سقط الدين بهلاك المرهون ، لكان توهينا لا توثيقا ; لأنه يقع تعريض الحق للتلف على تقدير هلاك الرهن ، فكان توهينا للحق لا توثيقا له .

( ولنا ) ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال { : الرهن بما فيه ، وفي رواية : الرهان بما فيها } وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل وروي أن رجلا رهن بدين عند رجل فرسا بحق له عليه ، فنفق الفرس عنده ; فطالبه المرتهن بحقه ، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : { ذهب حقك } ; ولأن المرتهن جعل مستوفيا للدين عند هلاك الرهن ، فلا يملك الاستيفاء ثانيا كما إذا استوفى بالفكاك ، وتقرير معنى الاستيفاء في الرهن ذكرناه في مسائل الخلاف .

وأما الحديث [ ص: 155 ] فيحتمل أن يكون معنى قوله عليه الصلاة والسلام { : لا يغلق الرهن } أي لا يهلك ، إذ الغلق يستعمل في الهلاك ، كذا قال بعض أهل اللغة ، وعلى هذا كان الحديث حجة عليه ; لأنه يذهب بالدين ; فلا يكون هالكا معنى ، وقيل : معناه أي لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين ، وهذا كان حكما جاهليا ، جاء الإسلام فأبطله ، وقوله : عليه الصلاة والسلام عليه غرمه ، أي نفقته وكنفه ، ونحن به نقول : إنه وثيقة ، قلنا : معنى التوثيق في الرهن هو التوصل إليه في أقرب الأوقات ; لأنه كان للمرتهن ولاية مطالبة الراهن بقضاء الدين من مطلق ماله ، وبعد الرهن حدثت له ولاية المطالبة بالقضاء من ماله المعين وهو الرهن بواسطة البيع فازداد طريق الوصول إلى حقه ; فحصل معنى التوثيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث