الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم الامتناع عن تحصيل اليمين

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 230 ] فصل ) :

وأما حكم الامتناع عن تحصيله فالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فإن كان ذلك في دعوى المال يقضى عليه بالمال عندنا لكن ينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا قضيت عليك لجواز أن يكون المدعى عليه ممن لا يرى القضاء بالنكول أو يكون عنده أن القاضي لا يرى القضاء بالنكول أو لحقه حشمة القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى فكان الاحتياط أن يقول له ذلك فإن نكل عن اليمين بعد العرض عليه ثلاثا فإن القاضي يقضي عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يقضي بالنكول ولكن يرد اليمين إلى المدعي فيحلف فيأخذ حقه احتج الشافعي رحمه الله بقول النبي عليه الصلاة والسلام { البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه } جعل البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه ولم يذكر عليه الصلاة والسلام النكول فلو كان حجة المدعي لذكره والمعقول أنه يحتمل أنه نكل لكونه كاذبا في الإنكار .

فاحترز عن اليمين الكاذبة ويحتمل أنه نكل مع كونه صادقا في الإنكار تورعا عن اليمين الصادقة فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال لكن يرد اليمين إلى المدعي ليحلف فيقضي له لأنه ترجح جنبه الصدق في دعواه بيمينه وقد ورد الشرع برد اليمين إلى المدعي فإنه روي أن سيدنا عثمان رضي الله عنه ادعى على المقداد مالا بين يدي سيدنا عمر رضي الله عنه فأنكر المقداد وتوجهت عليه اليمين فرد اليمين على سيدنا عثمان وسيدنا عمر جوز ذلك .

( ولنا ) ما روي أن شريحا قضى على رجل بالنكول فقال المدعى عليه أنا أحلف فقال شريح مضى قضائي وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا منهم على جواز القضاء بالنكول ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه فيقضي له كما لو أقام البينة ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره إنكاره المدعى عليه وقد عارضه النكول لأنه كان صادقا في إنكاره لما نكل فزال المانع للتعارض فظهر صدقه في دعواه وقوله يحتمل أنه نكل تورعا عن اليمين الصادقة قلنا هذا احتمال نادر لأن اليمين الصادقة مشروعة فالظاهر أن الإنسان لا يرضى بفوات حقه تحرزا عن مباشرة أمر مشروع ومثل هذا الاحتمال ساقط الاعتبار شرعا ألا يرى أن البينة حجة القضاء بالإجماع وإن كانت محتملة في الجملة لأنها خبر من ليس بمعصوم عن الكذب لكن لما كان الظاهر هو الصدق سقط اعتبار احتمال الكذب كذا هذا وأما الحديث فنقول البينة حجة المدعي وهذا لا ينفي أن يكون غيرها حجة وقوله لو كان حجة لذكره قلنا يحتمل أنه لم يذكره لما قلتم ويحتمل أنه لم يذكره نصا مع كونه حجة تسليطا للمجتهدين على الاجتهاد ليعرف كونه حجة بالرأي والاستنباط فلا يكون حجة مع الاحتمال .

وأما رد اليمين على المدعي فليس بمشروع لما قلنا من قبل وأما حديث المقداد فلا حجة فيه لأن فيه ذكر الرد من غير نكول المدعى عليه وهو خارج عن أقاويل الكل فكان مؤولا عند الكل ثم تأويله أن المقداد رضي الله عنه ادعى الإيفاء فأنكر سيدنا عثمان رضي الله عنه فتوجهت اليمين عليه ونحن به نقول هذا إذا نكل عن اليمين في دعوى المال فإن كان النكول في دعوى القصاص فنقول لا يخلو إما أن تكون الدعوى في القصاص في النفس وإما أن تكون فيما دون النفس فإن كان في النفس فعند أبي حنيفة لا يقضى فيه لا بالقصاص ولا بالمال لكنه يحبس حتى يقر أو يحلف أبدا وإن كان الدعوى في القصاص في الطرف فإنه يقضي بالقصاص في العمد وبالدية في الخطإ وعندهما لا يقضى بالقصاص في النفس والطرف جميعا ولكن يقضي بالأرش والدية فيهما جميعا بناء على أن النكول بذل عند أبي حنيفة رحمه الله والطرف يحتمل البذل والإباحة في الجملة فإن من وقعت في يده أكلة والعياذ بالله تعالى فأمر غيره بقطعها يباح له قطعها صيانة للنفس وبه تبين أن الطرف يسلك مسلك الأموال لأنه خلق وقاية للنفس كالمال فأما النفس فلا تحتمل البذل والإباحة بحال وكذا المباح له القطع إذا قطع لا ضمان عليه والمباح له القتل إذا قتل يضمن فكان الطرف جاريا مجرى المال بخلاف النفس فأمكن القضاء بالنكول في الطرف دون النفس فكان القياس أن لا يستحلف في النفس عنده كما لا يستحلف في الأشياء السبعة لأن الاستحلاف للتوسل إلى المقصود المدعي وهو إحياء حقه بالقضاء بالنكول ولا يقضي فيها بالنكول أصلا عنده فكان ينبغي أن لا يستحلف إلا أنه استحسن في الاستحلاف فيها لأن [ ص: 231 ] الشرع ورد به في القسامة وجعله حقا مقصودا في نفسه تعظيما لأمر الدم وتفخيما لشأنه لكون اليمين الكاذبة مهلكة فصار بالنكول مانعا حقا مستحقا عليه مقصودا فيحبس حتى يقر أو يحلف بخلاف الأشياء السبعة فإن الاستحلاف فيها للتوسل إلى استيفاء المقصود بالنكول وأنه لا يقع وسيلة إلى هذا المقصود وعندهما النكول إقرار فيه شبهة العدم لأنه إقرار بطريق السكوت وأنه محتمل والقصاص يدرأ بالشبهات وإذا سقط القصاص للشبهة يجب المال بخلاف شهادة النساء مع الرجال والشهادة على الشهادة أنها لا تقبل في باب القصاص أصلا لأن التعذر هناك من جهة من له القصاص وهو عدم الإتيان بحجة مظهرة للحق وهي شهادة شهود أصول مذكور والتعذر هنا من جهة من عليه القصاص وهو عدم التنصيص على الإقرار والأصل أن القصاص إذا بطل من جهة من له القصاص لا تجب الدية وإذا بطل من جهة من عليه تجب الدية وأما في دعوى السرقة إذا حلف على المال ونكل يقضى بالمال لا بالقطع لأن النكول حجة في الأموال دون الحدود الخالصة وأما في حد القذف إذا استحلف على ظاهر الرواية فكل يقضي بالحد في ظاهر الأقاويل لأنه بمنزلة القصاص في الطرف عند أبي حنيفة وعندهما بمنزلة التعزير وقال بعضهم هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضى فيه بشيء ولا يحلف لأنه حد وقيل يحلف ويقضى فيه بالتعزير دون الحد كما في السرقة يحلف ويقضى بالمال دون القطع والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث