الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفروق في الحال

بيان دخول الواو على الجملة

فإن قلت : قد علمنا أن علة دخول الواو على الجملة أن تستأنف الإثبات، ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة المفرد - ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن لا يستأنف بها الإثبات أولى من بعض؟ وما الذي منع في قولك : جاءني زيد وهو يسرع، أو وهو مسرع، أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضامه في الإثبات، كما كان ذلك حين قلت : " جاءني زيد يسرع " ؟

فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك : " جاءني زيد وهو يسرع " على استئناف إثبات للسرعة، ولم يكن ذلك في : " جاءني زيد يسرع " . وذلك أنك إذا أعدت ذكر " زيد " فجئت بضميره المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول : " جاءني زيد وزيد يسرع " في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل " يسرع " في صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات . وذلك أن إعادتك ذكر " زيد " لا تكون حتى تقصد استئناف الخبر [ ص: 216 ] عنه بأنه يسرع وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة لأنك إن لم تفعل ذلك، تركت المبتدأ، الذي هو ضمير زيد أو اسمه الظاهر، بمضيعة، وجعلته لغوا في البين، وجرى مجرى أن تقول : " جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه " . ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدئ للسرعة إثباتا وأن حال " يسرع " هاهنا حاله إذا قلت : " جاءني زيد يسرع " ، فجعلت السرعة له، ولم تذكر عمرا، وذلك محال.

فإن قلت : إنما استحال في قولك : " جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه " أن ترد " يسرع " إلى " زيد " وتنزله منزلة قولك : " جاءني زيد يسرع " من حيث كان في " يسرع " ضمير لعمرو، وتضمنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد ، وأن يقدر حالا له . وليس كذلك : " جاءني زيد وهو يسرع " لأن السرعة هناك لزيد لا محالة فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى.

قيل : ليس المانع أن يكون يسرع في قولك : " جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه " حالا من زيد أنه فعل لعمرو . فإنك لو أخرت " عمرا " فرفعته بيسرع وأوليت " يسرع " زيدا فقلت : " جاءني زيد يسرع عمرو أمامه " وجدته قد صلح حالا لزيد ، مع أنه فعل لعمرو- وإنما المانع ما عرفتك من أنك تدع عمرا بمضيعة وتجيء به مبتدأ، ثم لا تعطيه خبرا .

[ ص: 217 ]

ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون " يسرع " قد اجتمع في موضعه النصب والرفع، وذلك أن جعله حالا من زيد يقتضي أن يكون في موضع نصب وجعله خبرا عن عمرو المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع . وذلك بين التدافع ، ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت عمرا فقلت : " جاءني زيد يسرع عمرو أمامه " . لأنك ترفعه حينئذ بـ " يسرع " على أنه فاعل له . وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا، [ ص: 218 ] فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من زيد وجرى مجرى أن تقول : " جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه " .

القياس أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر إلا مع الواو، وعلة ترك ذلك

246- فإن قلت : فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع " الواو " وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم.

فالجواب أن القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو، وأما الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه، بضرب من التأويل ونوع من التشبيه ، فقولهم : " كلمته فوه إلى في " إنما حسن بغير واو من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له - وكذلك قولهم : " رجع عوده على بدئه " إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير واو لأن المعنى : رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه . وأما قوله : " وجدته حاضراه : الجود والكرم " فلأن تقديم الخبر الذي هو " حاضراه " يجعله [ ص: 219 ] كأنه قال : " وجدته حاضرا عنده الجود والكرم " .

وليس الحمل على المعنى، وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم وقد قالوا : " زيد اضربه " . فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر لأن المعنى على النصب نحو : اضرب زيدا . ووضعوا الجملة من المبتدأ والخبر موضع الفعل والفاعل في نحو قوله تعالى : « أدعوتموهم أم أنتم صامتون » [ سورة الأعراف : 193 ] لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو " أدعوتموهم أم صمتم ".

ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير " الواو " أصلا، قلته وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء .

هذا ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة " الواو " كما جاء الماضي على إرادة " قد " .

247- واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار


خرجت مع البازي علي سواد



أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش فيرفع " سواد " بالظرف دون الابتداء، ويجري الظرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو : [ ص: 220 ] " مررت برجل معه صقر صائدا به غدا " . وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع " صقرا " بما في " معه " من معنى الفعل . فلذلك يجوز أن يجرى الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا فيكون ارتفاع " سواد " بما في " علي " من معنى الفعل لا بالابتداء .

ثم ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني أن يكون المعنى " خرجت كائنا علي سواد، وباقيا علي سواد " ولا يقدر " يكون علي سواد " و " يبقى علي سواد " اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع " قد " كقولك : " خرجت مع البازي قد بقي علي سواد " والأول أظهر.

الكلام في الظرف، وتأويل مجيئه

248- وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر تقدير اسم فاعل ، ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا : " زيد في الدار " أنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول : " استقر في الدار " وبين أن تقدر اسم فاعل فتقول : " مستقر في الدار " . وإذا عاد الأمر إلى هذا كان الحال في ترك الواو ظاهرة، وكان " سواد " في قوله : خرجت مع البازي علي سواد بمنزلة " قضاء الله " في قوله :


سأغسل عني العار بالسيف جالبا     علي قضاء الله ما كان جالبا



[ ص: 221 ]

في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال فعمل عمل الفعل .

ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت، وأنه من أجل ذلك حسن أنك تقول : " جاءني زيد والسيف على كتفه " و " خرج والتاج عليه " . فتجده لا يحسن إلا بالواو، وتعلم أنك لو قلت : " جاءني زيد السيف على كتفه " و " خرج التاج عليه " . كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلة قولك : " جاءني وهو متقلد سيفه " و " خرج وهو لابس التاج " . في أن المعنى على أنك استأنفت كلاما وابتدأت إثباتا- وأنك لم ترد : " جاءني كذلك " . ولكن " جاءني وهو كذلك " فاعرفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث