الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا

جزء التالي صفحة
السابق

ثم قال مبينا حسدهم وسوء طويتهم : إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها المس في الأصل : كاللمس ، والمراد بـ تمسسكم هنا تصبكم ، ولعل اختيار لفظ المس في جانب الحسنة والإصابة في جانب السيئة للإشعار بأن أولئك الكافرين يسوءهم ما يصيب المسلمين من خير وإن قل ، بأن كان لا يزيد على ما يمس باليد وإنما يفرحون بالسيئة إذا أصابت المسلمين إصابة يشق احتمالها . هذا ما كان يتبادر إلى فهمي ولكن رأيت صاحب الكشاف يجعلهما هنا بمعنى واحد ويستدل باستعمال القرآن لكل منها في موضع الآخر ، ويقول : إن المس مستعار للإصابة ، ثم خطر لي أن أراجع تفسير ( أبي السعود ) فإذا هو يقول : " وذكر المس مع الحسنة والإصابة مع السيئة للإيذان بأن مدار مساءتهم أدنى مراتب إصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام إصابة السيئة ، وإما لأن اليأس مستعار لمعنى الإصابة " والأول هو الوجه ، وهو من دقائق البلاغة العليا ، والحسنة : المنفعة سواء كانت حسية [ ص: 76 ] أو معنوية ، وأعظمها انتشار الإسلام ودخول الناس فيه وانتصار المسلمين على المعتدين عليهم المقاومين لدعوتهم . قال ( قتادة ) في بيان ذلك كما رواه عنه ابن جرير : " فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وحماية وظهورا على عدوهم غاظهم ذلك وساءهم ، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافا أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به ، فهم كلما خرج منهم قرن أكذب الله أحدوثته وأوطأ محلته ، وأبطل حجته وأظهر عورته ; فذلك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقي إلى يوم القيامة " .

ثم أرشد الله المسلمين إلى ما إن تمسكوا به سلموا من كيدهم الذي يدفعهم إليه الحسد والبغضاء فقال :وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ذهب بعضهم إلى أن المراد : وإن تصبروا على عداوتهم وتتقوا اتخاذهم بطانة وموالاتهم من دون المؤمنين لا يضركم كيدهم لكم هم بمعزل عنكم . وذهب آخرون إلى أن المراد : وإن تصبروا على مشاق التكاليف وامتثال الأوامر عامة وتتقوا ما نهيتم عنه وخطر عليكم - ومنه اتخاذ البطانة منهم - لا يضركم كيدهم . و يضركم بتشديد الراء من الضرر ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " يضركم " بكسر الضاد وسكون الراء المخففة من ضاره يضيره ، والضير بمعنى المضرة . وقال الأستاذ الإمام : إن الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس ، وحبس الإنسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه ، فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به ، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم حسن أن يذكروا بالصبر على هذا لتكليف الشاق عليهم ، وباتقاء ما يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم . ويصح أن يراد بالتقوى : الأخذ بوصاياه وامتثال أمره - تعالى - في البطانة وغيرها .

أقول : ومن الاعتبار في الآية أنه - تعالى - أمر المؤمنين بالصبر على عداوة أولئك المبغضين الكائدين وباتقاء شرهم ولم يأمرهم بمقابلة كيدهم وشرهم بمثله ، وهكذا شأن القرآن لا يأمر إلا بالمحبة والخير والإحسان ودفع السيئة بالحسنة إن أمكن كما قال : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ 41 : 34 ] فإن لم يمكن تحويل العدو إلى محب بدفع سيئاته بما هو أحسن منها فإنه يجيز دفع السيئة بمثلها من غير بغي ولا اعتداء ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملة بني النضير الذين نزلت الآية فيهم أولا وبالذات ; فإنه حالفهم ووادهم فنكثوهم وخانوا غير مرة : أعانوا عليه قريشا يوم بدر وادعوا أنهم نسوا العهد ، ثم أعانوا الأحزاب الذين تحزبوا لإبادة المسلمين ، ثم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 77 ] فتعذرت موادتهم واستمالتهم بالمحبة وحسن المعاملة ، فكان اللجأ إلى قتالهم وإجلائهم ضربة لازب .

ثم قال : إن الله بما يعملون محيط قال الأستاذ الإمام ما مثاله : المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه ، فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتما ، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعا ، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح . وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بـ " تعملون " عام للمؤمنين والكافرين جميعا - يعني على قراءة الحسن وأبي حاتم " تعملون " بالمثناة الفوقية أو على الالتفات - ومن كان عالما بعمل فريقين متحادين محيطا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته ، ونتائجه وغاياته ، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر ، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه ، فهداية الله - تعالى - للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب وينتهون به إلى أحسن العواقب .

وأقول : إن الإحاطة إحاطتان إحاطة علم وإحاطة قدرة ومنع ، وهذا التفسير مبني على أن الإحاطة علم لتعلقها بالعمل ; وذلك من المجاز الذي ورد في التنزيل كقوله - تعالى - : أحاط بكل شيء علما [ 65 : 12 ] وقوله : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه [ 10 : 39 ] وأما الإحاطة بالشخص أو بالشيء قدرة فهي تأتي بمعنى منعه مما يراد به وهذا ليس بمراد هنا ، وبمعنى منعه ما يريده ، وبمعنى التمكن منه ، ومنه الإحاطة بالعدو ، أي أخذه من جميع جوانبه بالفعل والتمكن من ذلك ومنه قوله - تعالى - : وأحاطت به خطيئته [ 2 : 81 ] وقوله : إن ربي بما تعملون محيط [ 11 : 92 ] وقوله وظنوا أنهم أحيط بهم [ 10 : 22 ] كل هذا من باب واحد وإن فسر كل قول بما يليق به . فيصح أن يكون منه ما نحن فيه ، والمعنى حينئذ : أن الله قد دلكم يا معشر المؤمنين على ما ينجيكم من كيد عدوكم فعليكم بعد الامتثال أن تعلموا أنه محيط بأعمالهم إحاطة قدرة تمنعهم مما يريدون منكم معونة منه لكم كقوله : وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها [ 48 : 21 ] فعليكم بعد القيام بما يجب عليكم أن تثقوا به وتتوكلوا عليه .

ومن مباحث اللفظ في الآيات : قوله : ها أنتم أولاء أصله " أنتم هؤلاء " فقدمت أداة التنبيه التي تلحق اسم الإشارة أولاء على الضمير ويقال في المفرد : " ها أنا ذا " وعلى ذلك فقس . وإعرابه : ها للتنبيه وأنتم مبتدأ وأولاء خبره وتحبونهم في موضع النصب على الحال أو خبر بعد خبر ، وجوز بعضهم أن تكون ( أولاء ) اسما موصولا وتحبونهم صلته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث