الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حرم بعض العلماء المساقاة والمزارعة

فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق ; بل هو شركة محضة . إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض بجزء من الزرع بأولى من جعل المالك مكتريا للعامل بالجزء الآخر ; وإن كان من الناس من يسمي هذا كراء أيضا . فإنما هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم بيانه . فأما الكراء الخاص الذي تكلم به رافع وغيره فلا ولهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء الجائز وبين النوع الآخر الذي نهوا عنه ولم يتعرض للشركة لأنها جنس آخر .

[ ص: 113 ] بقي أن يقال : فقول النبي صلى الله عليه وسلم " { من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه وإلا فليمسكها } " أمر - إذا لم يفعل واحدا من الزرع والمنيحة - أن يمسكها . وذلك يقتضي المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما تقدم .

فيقال : الأمر بهذا أمر ندب واستحباب ; لا أمر إيجاب أو كان أمر إيجاب في الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد . وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية قال في الآنية التي كانوا يطبخونها فيها : " { أهريقوا ما فيها واكسروها } " . وقال صلى الله عليه وسلم في آنية أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني : " { إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء } " وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا بترك ما يقاربها من المباح . كما قيل : " لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال " كما أنها أحيانا لا تترك المعصية إلا بتدريج ; لا تتركها جملة .

فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة . ولهذا يوجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة : الرخصة له في أشياء يستغني بها عن المحرم ولمن وثق بإيمانه وصبره : النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في فعل الأفضل . ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه [ ص: 114 ] وصبره - من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي بكر الصديق - ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته . ثم قال : " يذهب أحدكم فيخرج ماله ثم يجلس كلا على الناس " .

يدل على ذلك : ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ثابت بن الضحاك : " { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة . وأمر بالمؤاجرة . وقال : لا بأس بها } " وما ذكرناه من رواية سعد بن أبي وقاص : " { أنه نهاهم أن يكروا بزرع موضع معين وقال : اكروا بالذهب والفضة } " وكذلك فهمته الصحابة . فإن رافع بن خديج قد روى ذلك وأخبر أنه : لا بأس بكرائها بالذهب والفضة .

وكذلك فقهاء الصحابة : كزيد بن ثابت وابن عباس . ففي الصحيحين عن عمرو بن دينار . قال : قلت . لطاوس : " { لو تركت المخابرة ؟ فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها . قال : أي عمرو إني أعطيهم وأعينهم وإن أعلمهم أخبرني - يعني ابن عباس - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ; ولكن قال : إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما } " وعن ابن عباس أيضا : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم المزارعة ; [ ص: 115 ] ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض } . رواه مسلم مجملا والترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . وقد أخبر طاوس عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دعاهم إلى الأفضل وهو التبرع قال : { وأنا أعينهم وأعطيهم } وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق الذي منه واجب وهو ترك الربا والغرر . ومنه مستحب كالعارية والقرض .

ولهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب الإحسان كان المسلم أحق به فقال : " { لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما } " وقال : { من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو ليمسكها } " فكان الأخ هو الممنوح . ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الإخوان عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنحهم ; لا سيما والتبرع إنما يكون عن فضل غنى . فمن كان محتاجا إلى منفعة أرضه لم يستحب له المنيحة كما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة أرض خيبر وكما كان الأنصار محتاجين في أول الإسلام إلى أرضهم حيث عاملوا عليها المهاجرين . وقد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة كما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت ; ليطعموا الجياع ; لأن إطعامهم واجب . فلما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة الأرض وأصحابها أغنياء عنها نهاهم عن المعاوضة [ ص: 116 ] ليجودوا بالتبرع ولم يأمرهم بالتبرع عينا كما نهاهم عن الادخار . فإن من نهى عن الانتفاع بماله جاد ببذله ; إذ لا يترك بطالا وقد ينهى النبي صلى الله عليه وسلم بل الأئمة عن بعض أنواع المباح في بعض الأحوال . لما في ذلك من منفعة المنهي ; كما نهاهم في بعض المغازي وأما ما رواه جابر عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة : فهذه هي المخابرة التي نهى عنها . واللام لتعريف العهد . ولم تكن المخابرة عندهم إلا ذلك .

يبين ذلك ما في الصحيح عن { ابن عمر قال : كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى كان عام أول ، فزعم رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه من أجله } " فأخبر ابن عمر أن رافعا روى النهي عن الخبر . وقد تقدم معنى حديث رافع . قال أبو عبيد : الخبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة . والمخابرة : المزارعة بالنصف والثلث والربع وأقل وأكثر . وكان أبو عبيد يقول : لهذا سمي الأكار خبيرا ; لأنه يخابر على الأرض والمخابرة : هي المؤاكرة .

وقد قال بعضهم : أصل هذا من خيبر ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها في أيديهم على النصف فقيل : خابرهم أي عاملهم في خيبر . وليس هذا بشيء ; فإن معاملته بخيبر لم ينه عنها قط [ ص: 117 ] بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته . وإنما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر . وقد فسرا ما كانوا يفعلونه . والخبير : هو الفلاح سمي بذلك لأنه يخبر الأرض .

وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة . فقالوا : " المخابرة " هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل و " المزارعة " على أن يكون البذر من المالك . قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ; لا المزارعة .

وهذا أيضا ضعيف فإنا قد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما في الصحيح من أنه " نهى عن المزارعة " كما " نهى عن المخابرة " وكما " نهى عن كراء الأرض " وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه وإنما اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفي لفظا وفعلا ولأجل القرينة اللفظية وهي لام العهد وسؤال السائل ; وإلا فقد نقل أهل اللغة : أن المخابرة هي المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث