الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في وصفه تعالى له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء والكرامة

الفصل الثاني

في وصفه - تعالى - له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء ، والكرامة

قال - تعالى - : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [ الأحزاب : 45 ] الآية .

جمع الله - تعالى - في هذه الآية ضروبا من رتب الأثرة ، وجملة أوصاف من المدحة فجعله شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة ، وهي من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ، ومبشرا لأهل طاعته ، ونذيرا لأهل معصيته ، وداعيا إلى توحيده ، وعبادته ، وسراجا منيرا يهتدى به للحق .

[ حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب ، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ، حدثنا البخاري ، حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح ، حدثنا هلال بن ] عطاء بن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أجل ، والله إنه [ ص: 128 ] لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [ الأحزاب : 45 ] ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وذكر مثله عن عبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار ، وفي بعض طرقه عن ابن إسحاق : ولا صخب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق ، والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأمم متفرقة ، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس .

وفي حديث آخر : أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفته في التوراة : " عبدي أحمد المختار ، [ ص: 129 ] مولده بمكة ، ومهاجره بالمدينة ، أو قال : طيبة أمته الحمادون لله على كل حال . وقال - تعالى - الذين يتبعون الرسول النبي الأمي [ الأعراف : 157 ] الآية . وقد قال - تعالى - : فبما رحمة من الله لنت لهم [ آل عمران : 159 ] الآية . قال السمرقندي : ذكرهم الله تعالى منته أنه جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيما بالمؤمنين ، رءوفا لين الجانب ، ولو كان فظا خشنا في القول لتفرقوا من حوله ، ولكن جعله الله - تعالى - سمحا ، سهلا طلقا برا لطيفا . هكذا قاله الضحاك . وقال - تعالى - : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [ البقرة : 143 ] الآية .

قال أبو الحسن القابسي : أبان الله - تعالى - فضل نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وفضل أمته بهذه الآية ، وفي قوله في الآية الأخرى : وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس [ الحج : 78 ] الآية . وكذلك قوله - تعالى - : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [ النساء : 41 ] الآية . وقوله - تعالى - : وسطا : أي عدلا خيارا . ومعنى هذه الآية : وكما هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا ، لتشهدوا للأنبياء - عليهم السلام - على أممهم ، ويشهد لكم الرسول بالصدق . وقيل : إن الله - جل جلاله - إذا سأل الأنبياء : هل بلغتم ؟ . فيقولون : نعم . فتقول أممهم : ما جاءنا من بشير ، ولا نذير ، فتشهد أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء ، ويزكيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : معنى الآية : إنكم حجة على كل من خالفكم ، والرسول حجة عليكم . حكاه السمرقندي . وقال - تعالى - : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم [ يونس : 2 ] الآية .

قال قتادة ، والحسن ، وزيد بن أسلم : قدم صدق : هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، يشفع لهم .

وعن الحسن أيضا : هي مصيبتهم بنبيهم . وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : هي شفاعة نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، هو شفيع صدق عند ربهم .

وقال سهل بن عبد الله التستري : هي سابقة رحمة أودعها الله في محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال [ ص: 130 ] محمد بن علي الترمذي : هو إمام الصادقين ، والصديقين ، الشفيع المطاع ، والسائل المجاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، حكاه عنه السلمي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث