الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار

جزء التالي صفحة
السابق

قال : ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله - تعالى - وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم ، واستجابتهم له ، وما يترتب على ذلك فقالوا : ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا المنادي للإيمان هو الرسول ، وذكره بوصف المنادي تفخيما لشأن هذا النداء ، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منهما إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الأنبياء ، كما تلبث قوم ، واستكبر آخرون بل بادروا ، وسارعوا إليه ; لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله - تعالى - وبصيرة في عالم الغيب ، والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتهما دلالة مجملة مبهمة ، والأنبياء يزيدونها بما يوحيه الله إليهم بيانا وتفصيلا ، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم . ويصح أن يكون المراد بالمنادى نبينا - صلى الله عليه وسلم - خاصة .

أقول : والمراد بأولي الألباب الموصوفين بما ذكره على هذا هم السابقون من أصحابه ، ومن تبعهم في ذلك لحكمهم . وسيأتي عند ذكر الهجرة ما يرجح هذا .

[ ص: 248 ] وقال الأستاذ : وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ، ومن وصلت إليه دعوته من بعده ، ويحتمل أن يكون قولهم : فآمنا مرادا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر ، والذكر ، وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفا ، ويحتمل أن يكونوا سمعوا دعوة الرسول أولا ، وآمنوا به ثم نظروا ، وذكروا ، وتفكروا ، فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم ، فذكروا النتيجة ، ثم اعترفوا بالوسيلة ، ولا ينافي ذلك تأخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر .

ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا تفيد الفاء في قوله : فاغفر اتصال هذا الدعاء بما قبله ، وكون الإيمان سببا له ، والمراد بالإيمان : الإذعان للرسل في النفس والعمل ، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الإذعان الباعث على العمل ; ولأجل هذا استشعروا الخوف من الهفوات ، والسيئات فطلبوا المغفرة ، والتكفير ، وقال بعض المفسرين : إن المراد بالذنوب هنا الكبائر ، وبالسيئات الصغائر .

قال الأستاذ الإمام : وعندي أن الذنوب هي : التقصير في عبادة الله - تعالى - وكل معاملة بين العبد وربه ، والسيئات : هي التقصير في حقوق العباد ، ومعاملة الناس بعضهم بعضا .

فالذنب معناه الخطيئة ، وأما السيئة فهي ما يسوء ، فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه ، وغفر الذنوب عبارة عن سترها ، وعدم العقوبة عليها ألبتة ; وتكفير السيئات عبارة عن حطها ، وإسقاطها ، فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين وتوفنا مع الأبرار أي أمتنا على حالتهم ، وطريقتهم ، يقال أنا مع فلان أي على رأيه ، وسيرته ، ومذهبه في عمله . والأبرار : هم المحسنون في أعمالهم .

أقول : راجع في الأبرار تفسير قوله : ليس البر [ 2 : 177 ] في ص89 وما بعدها ج 2 [ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ] وقوله : ولكن البر من اتقى [ 2 : 189 ] وتفسير الغفران والمغفرة ( في 115 ، 170 ، 188 ، 255 ج 2 ، 158 ، 99 ج 4 ) .

أما الذنب فقد قال الراغب : إنه في الأصل الأخذ بذنب الشيء ( بالتحريك ) ، يقال ذنبته أي أصبت ذنبه ، ويستعمل في كل فعل يستوخم عقباه اعتبارا بذنب الشيء ; ولهذا يسمى الذنب تبعة اعتبارا لما يحصل من عاقبته ، وجمع الذنب ذنوب اهـ .

أقول : وهو بهذا المعنى يشمل كل عمل تسوء عاقبته في الدنيا والآخرة من المعاصي كلها سواء منها ما يتعلق بحقوق الله - عز وجل - ، وما يتعلق بحقوق العباد ، ومنه ترك الطاعات الواجبة ، وأما السيئة فهي الفعلة القبيحة التي تسوء صاحبها ، أو تسوء غيره سواء كان ذلك عاجلا ، أو آجلا ، فهي عامة أيضا ، وضدها الحسنة . قال الراغب : الحسنة والسيئة ضربان أحدهما بحسب اعتبار العقل ، والشرع نحو المذكور في قوله - تعالى - : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها [ 6 : 160 ] وحسنة وسيئة بحسب اعتبار [ ص: 249 ] الطبع ، وذلك ما يستخفه الطبع ، وما يستثقله ، نحو قوله : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [ 7 : 131 ] وقوله : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة [ 7 : 95 ] اهـ . وكأن الأستاذ الإمام حمل السيئات على ما يسوء من معاملة الناس أخذا من مثل قوله - تعالى - : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ 42 : 40 - 43 ] فالآيات صريحة في معاملات الناس بعضهم مع بعض ، ويمكن ادعاء أن ما ورد من ذكر الحسنات والسيئات في مقام الجزاء في الدارين ، وكذا في الآخرة فقط يحمل على هذا . ومثله ما ورد من السيئات في مقابلة العمل الصالح على الإطلاق ، ولكن ذلك خلاف الظاهر المتبادر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث