الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 36 إلى 67

وقوله: قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح أي: ليس على دينك، قال ابن عباس، وغيره: لم تبغ امرأة نبي قط.

مجاهد، والحسن: لم يكن ابنه.

[ ص: 406 ] الحسن: إنما ولد على فراشه، فنسب إليه.

مجاهد: يدل على ذلك: فلا تسألن ما ليس لك به علم .

وقيل: إن معنى ليس من أهلك : ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم.

ويجوز أن يكون معنى إنه عمل غير صالح : إن ابنك ذو عمل غير صالح؛ فحذف المضاف، قاله الزجاج، وغيره.

[ويجوز أن تكون الهاء للسؤال، ويكون المعنى: إن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح]، قاله ابن عباس، والنخعي، وغيرهما.

ومن قرأ: {عمل غير صالح} ؛ فالمعنى: إن ابنك عمل عملا غير صالح.

وقوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين : نبهه الله عز وجل على ألا يسأل عما طوى عنه علمه.

ابن زيد: المعنى: إني أعظك أن تبلغ بك الجهالة أن تظن أني لا [ ص: 407 ] أفي بوعد وعدتك به حتى تسألني ما ليس لك به علم؛ فاستغفر نوح من مسألته.

قيل يا نوح اهبط بسلام منا أي: اهبط من السفينة.

وقوله: وعلى أمم ممن معك : قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة، ودخل في قوله: وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم كل كافر إلى يوم القيامة، روي ذلك عن محمد بن كعب؛ والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم.

تلك من أنباء الغيب أي: تلك القصص.

وقوله: وإلى عاد أخاهم هودا أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، معطوف على أرسلنا نوحا .

يرسل السماء عليكم مدرارا أي: بالمطر؛ والمعنى: يتبع بعضه بعضا، فهو على معنى التكثير؛ كقولهم: (امرأة مذكار) ؛ إذا كانت تلد الذكور، وأكثر ما يأتي (مفعال) من (أفعل) ، وقد جاء ههنا من (فعل) ؛ لأنه من (درت السماء تدر، وتدر) ، فهي (مدرار) .

وقوله: ويزدكم قوة إلى قوتكم أي: شدة إلى شدتكم.

وقيل: إنهم أقاموا ثلاث سنين ولم يولد لهم، فقيل لهم: إن آمنتم أحيا الله بلادكم، ورزقكم الولدان، فتلك القوة.

[ ص: 408 ] الزجاج: المعنى: يزدكم قوة في النعم.

وقوله: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء أي: أصابك بعض أصنامنا بجنون؛ لسبك إياها، عن ابن عباس، وغيره.

فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون أي: كيدوني أنتم وآلهتكم، وهذا من أعلام النبوة.

وقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها : (الناصية) : مقدم شعر الرأس، وخصت بالذكر؛ لكثرة استعمال العرب ذلك فيها.

ويقال: إن أصل ذلك: أنهم كانوا يجزون ناصية الأسير الذي يمنون عليه؛ فقالوا لذلك: (ناصية فلان بيدي) ؛ أي: أنا أملكها.

وقوله: إن ربي على صراط مستقيم : قيل: معناه: إن أمر ربي في تدبيره لخلقه لعلى صراط مستقيم؛ لأنه جار على طريق الاستقامة، لا خلل فيه، ولا اضطراب.

مجاهد: المعنى: أنه على الحق، يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولا يقبل إلا الإيمان به.

وقوله: فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم أي: فإن تولوا؛ فقل لهم: قد أبلغتكم.

[ ص: 409 ] وقوله: ولا تضرونه شيئا أي: إن أراد إهلاككم؛ لم تقدروا أن تضروه شيئا.

وقيل: المعنى: لا يضره إهلاككم شيئا، ولا ينقصه.

إن ربي على كل شيء حفيظ أي: يحفظني من أن ينالني منكم سوء، وقيل:

حفيظ لأعمال العباد.

وقوله تعالى: نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا يعني: ما عذب به قومه في الدنيا، ونجيناهم من عذاب غليظ يعني: عذاب الآخرة.

وقوله: وعصوا رسله يعني: هودا ومن سواه من الأنبياء عليهم السلام؛ لأن من عصى رسولا واحدا؛ فقد عصى جميع الرسل.

واتبعوا أمر كل جبار عنيد : (العنيد) : الطاغي.

وقوله تعالى. وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة أي: ألحقوها، ويوم القيامة أي: وأتبعوا يوم القيامة مثل ذلك، فالتمام على قوله: ويوم القيامة .

ألا إن عادا كفروا ربهم أي: كفروا بربهم، وقيل: المعنى: كفروا نعمة ربهم.

وقوله تعالى: وإلى ثمود أخاهم صالحا أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا.

هو أنشأكم من الأرض يعني: خلقه آدم من تراب.

واستعمركم فيها أي: أعمركم؛ أي: جعلها لكم طول أعماركم، قاله مجاهد، وغيره.

وتقدم القول في معنى إن ربي قريب مجيب .

[ ص: 410 ] وقوله: قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا.

وقوله: فمن ينصرني من الله إن عصيته أي: لا ينصرني منه إن عصيته أحد، فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى النفي.

فما تزيدونني غير تخسير : [أي: ما تزيدونني بعذركم بعبادة آبائكم الأصنام غير تخسير لكم؛ أي]: أنكم تخسرون حظوظكم من رحمة ربكم، قاله مجاهد.

وإنما قال: {تزيدونني} ؛ لأنهم يعطونه بذلك العذر.

وقيل: المعنى: ما تزيدونني إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه غير تخسير.

وتقدم ذكر عقر الناقة.

وقوله تعالى: فيأخذكم عذاب قريب : قيل: قريب من عقرها، وقيل: قريب غير بعيد.

وقوله: فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام أي: في بلادكم، وقال لهم صالح فيما روي: علامة العذاب أن تصبح وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة.

وقوله تعالى: ومن خزي يومئذ أي: ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي: من فضيحته وذلته.

[ ص: 411 ] وقوله: وأخذ الذين ظلموا الصيحة : جاء مذكرا على معنى: الصياح.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث