الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجملة الأولى المحرمات في حال الاختيار

[ المسألة الأولى ]

[ لحوم السباع من الطير ، ومن ذوات الأربع ] - فأما المسألة الأولى : وهي السباع ذوات الأربع ، فروى ابن القاسم عن مالك أنها مكروهة ، وعلى هذا القول عول جمهور أصحابه وهو المنصور عندهم . وذكر مالك في الموطأ ما دليله أنها عنده محرمة ، وذلك أنه قال بعقب حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " وعلى ذلك الأمر عندنا . وإلى تحريمها ذهب الشافعي ، وأشهب وأصحاب مالك ، وأبو حنيفة ، إلا أنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة : كل ما أكل اللحم فهو سبع ، حتى الفيل والضبع واليربوع عنده من السباع ، [ ص: 386 ] وكذلك السنور . وقال الشافعي : يؤكل الضبع والثعلب ، وإنما السباع المحرمة التي تعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب ، وكلا القولين في المذهب ، وجمهورهم على أن القرد لا يؤكل ولا ينتفع به . وعند الشافعي أيضا أن الكلب حرام لا ينتفع به ، لأنه فهم من النهي عن سؤره نجاسة عينه .

وسبب اختلافهم في تحريم لحوم السباع من ذوات الأربع : معارضة الكتاب للآثار ، وذلك أن ظاهر قوله : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) الآية ; أن ما عدا المذكور في هذه الآية حلال . وظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع " إن السباع محرمة ، هكذا رواه البخاري ومسلم .

وأما مالك فما رواه في هذا المعنى من طريق أبي هريرة هو أبين في المعارضة ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " .

وذلك أن الحديث الأول قد يمكن الجمع بينه وبين الآية بأن يحمل النهي المذكور فيه على الكراهية . وأما حديث أبي هريرة فليس يمكن الجمع بينه وبين الآية إلا أن يعتقد أنه ناسخ للآية عند من رأى أن الزيادة نسخ ، وأن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة .

فمن جمع بين حديث أبي ثعلبة والآية حمل حديث لحوم السباع على الكراهية . ومن رأى أن حديث أبي هريرة يتضمن زيادة على ما في الآية حرم لحوم السباع . ومن اعتقد أن الضبع والثعلب محرمان فاستدلالا بعموم لفظ السباع . ومن خصص من ذلك العادية فمصيرا لما روى عبد الرحمن بن عمار قال : سألت جابر بن عبد الله عن الضبع آكلها ؟ قال : نعم ، قلت : أصيد هي ؟ قال : نعم ، قلت : فأنت سمعت ذلك من رسول صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . وهذا الحديث وإن كان انفرد به عبد الرحمن فهو ثقة عند جماعة أئمة الحديث ، ولما ثبت من إقراره عليه الصلاة والسلام على أكل الضب بين يديه .

وأما سباع الطير : فالجمهور على أنها حلال لمكان الآية المتكررة ، وحرمها قوم لما جاء في حديث ابن عباس أنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير " . إلا أن هذا الحديث لم يخرجاه الشيخان ، وإنما ذكره أبو داود .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث