الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
المسألة السابعة

[ السجود ]

اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء : الوجه ، واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء " ، واختلفوا فيمن سجد على وجهه ونقصه السجود على عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا ؟ فقال قوم : لا تبطل صلاته ; لأن اسم السجود إنما يتناول الوجه فقط ، وقال قوم : تبطل إن لم يسجد على السبعة الأعضاء للحديث الثابت ، ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه ، واختلفوا فيمن سجد على أحدهما ، فقال مالك : إن سجد على جبهته دون أنفه جاز ، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز .

وقال أبو حنيفة : بل يجوز ذلك ، وقال الشافعي : لا يجوز إلا أن يسجد عليهما جميعا .

وسبب اختلافهم : هل الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم أم كله ، وذلك أن في حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - الثابت عن ابن عباس " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء " فذكر منها الوجه .

فمن رأى أن الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم ، قال : إن سجد على الجبهة أو الأنف أجزأه .

، ومن رأى أن اسم السجود يتناول من سجد على الجبهة ولا يتناول من سجد على الأنف أجاز السجود على الجبهة دون الأنف ، وهذا كأنه تحديد للبعض الذي امتثاله هو الواجب مما ينطلق عليه الاسم ، وكان هذا على مذهب من يفرق بين أبعاض الشيء ، فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب وبعضها لا يقوم [ ص: 118 ] مقامه فتأمل هذا ، فإنه أصل في هذا الباب ، وإلا جاز لقائل أن يقول : إنه إن مس من أنفه الأرض مثقال خردلة تم سجوده ، وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم ، فالواجب عنده أن يسجد على الجبهة والأنف . والشافعي يقول : إن هذا الاحتمال الذي من قبل اللفظ قد أزاله فعله - عليه الصلاة والسلام - وبينه ، فإنه كان يسجد على الأنف والجبهة لما جاء من أنه انصرف من صلاة من الصلوات ، وعلى جبهته ، وأنفه أثر الطين والماء ، فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل .

قال أبو عمر بن عبد البر : وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس ، فذكروا فيه الأنف ، والجبهة .

قال القاضي أبو الوليد : وذكر بعضهم الجبهة فقط ، وكلا الروايتين في كتاب مسلم ، وذلك حجة لمالك . واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليها الوجه أم ليس ذلك من شروطه ؟ فقال مالك : ذلك من شرط السجود أحسبه شرط تمامه . وقالت جماعة : ليس ذلك من شرط السجود . ومن هذا الباب اختلافهم في السجود على طاقات العمامة ، وللناس فيه ثلاثة مذاهب : قول بالمنع ، وقول بالجواز ، وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة ، وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شيء أو لا يمس منها شيء ، وهذا الاختلاف كله موجود في المذهب وعند فقهاء الأمصار ، وفي البخاري وكانوا يسجدون على القلانس والعمائم .

واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ابن عباس " أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نسجد على سبعة أعضاء ، ولا نكفت ثوبا ، ولا شعرا " ، وقياسا على الركبتين ، وعلى الصلاة في الخفين يمكن أن يحتج بهذا العموم في السجود على العمامة .

التالي السابق


الخدمات العلمية