الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المدرك الرابع عشر النية العرية عن اللفظ

جزء التالي صفحة
السابق

المدرك الرابع عشر : النية العرية عن اللفظ هل ينعقد بها يمين حتى يترتب على الفعل حنث ، أو بر ؟ حكى أبو الطاهر قولين ، وإطلاق لفظ النية على ألسنة الأصحاب من مشكلات المذهب ؛ فقد غلط فيه كثير من الفقهاء الذين لا تحصيل لهم ، وبيان ذلك : أنهم أجمعوا على أن صريح الطلاق لا يفتقر إلى نية ، وقال اللخمي : في باب الإكراه على الطلاق ، وأبو الوليد في صريحه وكناياته في ( المقدمات ) : الصحيح من المذهب أن الصريح لا بد فيه من النية ، فإن كان المراد بالنية واحدا ، فقد تناقض قولهم ، ولزم خلاف الإجماع حتى حكوا في الطلاق بالنية قولين ، والإجماع على أن العازم على طلاق زوجته لا يلزمه بعزمه الطلاق ، فأين محل الخلاف وأين محل الإجماع ، ثم النية هي من باب القصود والإرادات لا من باب العلوم ، والاعتقادات ، وقد قال ابن الجلاب : من اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به ، ففي لزوم الطلاق له قولان ، فقد عبر عن النية بالاعتقاد ، وهو غير النية ، وهذه معميات تحتاج إلى الكشف ، والذي يكشف الغطاء عن ذلك أن لفظ النية عند الأصحاب مشترك بين الإرادة المخصصة والحقائق المترددة ، وهي المشترطة في العبادات ، وبين الكلام النفساني . فإذا قالوا : الصريح لا يفتقر إلى نية ، فهو [ ص: 59 ] المعنى الأول ، وإذا قالوا : لا بد مع الصريح من النية ، المراد الثاني بمعنى أنه لا بد أن يطلق بكلامه النفساني كما يطلق باللسان ، فإن اللساني دليل عليه ، والدليل مع عدم المدلول باطل ، وإذا قالوا : في الطلاق بمجرد النية قولان ، مرادهم بالكلام النفساني ، ويدل عليه استدلالهم بأنه يكون مؤمنا وكافرا بقلبه ، والإيمان والكفر خبران نفسانيان ، فالتشبيه يدل على التساوي ، وسماه ابن الجلاب اعتقادا ; لأن كل معتقد مخبر عن معتقده ، فالكلام النفساني لازم للعلم والاعتقاد ، فعبر عنه به لما بينهما من الملازمة ، والمراد هاهنا الكلام النفساني ، وهو الحلف بالقلب دون اللسان ، فهل يلغو ; لأن الله تعالى إنما نصب سبب اللفظ ولم يؤجل أو يعبر ؛ نظرا لقوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) ( المائدة : 89 ) ، والعقد إنما هو بالقلب . فإذا تمهد هذا تنزل أقوال الأصحاب على ما يليق به في كل موضع ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث