الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حلاوة الإيمان

جزء التالي صفحة
السابق

16 [ ص: 523 ] 9 - باب : حلاوة الإيمان

16 - حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". [21، 6041، 6941 - مسلم 43 - فتح: 1 \ 60]

التالي السابق


ثنا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب الثقفي نا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري قريبا عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن قتادة عن أنس.

وأخرجه أيضا في الإكراه عن محمد بن عبد الله بن حوشب، عن عبد الوهاب.

وأخرجه مسلم هنا عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وبندار، عن عبد الوهاب، وتفرد به عبد الوهاب، عن أيوب.

[ ص: 524 ] كما قاله خلف في "الأطراف"، لكن ذكر الدارقطني أن وهيب بن خالد الباهلي رواه عن أيوب موقوفا.

ولفظ مسلم: "وجد بهن" بزيادة: "بهن"، وفي لفظ له وللبخاري: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه" إلى آخره، وفي رواية له: "من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا".

وأما أنس فسلف.

وأما أبو قلابة -فبكسر القاف، والباء الموحدة- واسمه عبد الله (ع) بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر بن ناتل -بالمثناة فوق- ابن مالك الجرمي البصري التابعي الجليل المتفق على جلالته وثقته.

سمع أنسا وغيره من الصحابة، وعنه أيوب وغيره من التابعين، مات بالشام سنة أربع ومائة. وذكر للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة، وقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى أن يسبح حتى يغرق.

وأما أيوب: (ع) فهو الإمام المجمع على جلالته وإمامته وثقته وثبته، أبو بكر أيوب بن أبي تميمة -بفتح المثناة فوق- واسمه: كيسان السختياني -بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وكسر [ ص: 525 ] التاء- البصري التابعي، مولى بني عنزة، ويقال: جهينة. ومواليه حلفاء بني الحريش.

وقيل له: السختياني. لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة، وقال السمعاني: هذه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو الجلود الضائنة ليست بأدم.

وقال الصغاني في "عبابه": السختيان: جلد الماعز المدبوغ، فارسي معرب.

وفي "المطالع" بعد أن ضبطه بالفتح أن الجوهري قال: سمي بذلك; لأنه يبيع الجلود. وقال: ومنهم من يضم السين.

رأى أنسا، وسمع عمرو بن سلمة -بكسر اللام- الجرمي، وخلقا من كبار التابعين.

وعنه: ابن سيرين، وقتادة، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه، وغيرهم من التابعين، وغيرهم كمالك، والثوري، وشعبة.

قال ابن علية: كنا نقول: عنده ألفا حديث. وقال شعبة: ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء. وقال ابن عيينة: لقيت ستة وثمانين تابعيا ما لقيت منهم مثل أيوب. ولد سنة ست أو ثمان وستين، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة.

وأما عبد الوهاب: (ع) فهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الوهاب بن [ ص: 526 ] عبد المجيد بن الصلت بن عبيد الله بن (الحكم بن بشر) بن عبد الله بن دهمان بن (عبد الله بن همام) بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي - وهو ثقيف- ابن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان الثقفي البصري.

سمع جمعا من الأعلام، منهم: يحيى الأنصاري، وأيوب، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند التابعيون. وعنه الأعلام: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، وقال: إنه اختلط بآخره.

وقال عقبة بن مكرم العمي: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع.

وقال غيره: إنه لم يحدث بعد الاختلاط، وحجب الناس عنه. ووثقه العجلي أيضا.

وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه ضعف. وقال عمرو بن علي: كانت غلة عبد الوهاب في كل سنة ما بين أربعين ألفا إلى خمسين ألفا، لا يحول الحول على شيء منها كان ينفقها على أصحاب الحديث.

ولد سنة ثمان أو عشر ومائة، ومات سنة أربع وتسعين.

وأما محمد (ع) بن المثنى: فهو أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي البصري الحافظ المعروف بالزمن، [ ص: 527 ] والعنزي -بفتح العين- نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان حي من ربيعة، روى عن سفيان بن عيينة وخلق، وعنه: الجماعة وابن خزيمة وخلق.

وهو ثقة ورع، ولد سنة سبع وستين ومائة، وهي السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وولد بندار ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

فائدة:

رجال هذا الحديث كلهم بصريون خرج لهم الشيخان وباقي الستة.

الوجه الثالث في فوائده:

وهو حديث عظيم أصل من أصول الإسلام، وأصله من كتاب الله تعالى قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم .. إلى قوله تعالى: أحب إليكم من الله ورسوله ، ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله: فتربصوا حتى يأتي الله بأمره [التوبة: 24].

وخص هذه الثلاثة بالذكر; لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بنور الإيمان واليقين; فانكشف له الأحوال.

الأولى: حلاوة الإيمان.

استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الله تعالى ورسوله، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا.

وفي رواية أخرى في "الصحيح": "ثلاث من كن فيه وجد طعم [ ص: 528 ] الإيمان". فذكره، وفي حديث آخر: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا"، وهو راجع إلى المعنى الذي ذكرناه.

الثانية: محبة العبد لربه -سبحانه وتعالى- تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي التزام شريعته.

قال القاضي عياض: ولا تصح محبة الله تعالى ورسوله حقيقة، وحب المرء الأذى في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان، والحب في الله من ثمرات حب الله تعالى.

قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فنحب ما أحب، ونكره ما يكره. ونظم هذا المعنى محمود الوراق فقال:


تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع     لو كان حبك صادقا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع

[ ص: 529 ] وبالجملة فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، والله سبحانه منزه أن يميل أو يمال إليه.

وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ يميل الإنسان إلى ما يوافقه، أما الاستحسان كالصورة الجميلة والصوت والمطاعم الشهية ونحوها، أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء، أو لمن يحسن إليه ويدفع الضرر عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -; لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أوصاف الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم] إياهم إلى صراط مستقيم ودوام النعيم. وأشار بعضهم إلى أن هذا يتصور في حق الله تعالى. وحب العبد له على قدر معرفته بجلاله وكمال صفاته، و(تنزيهه) عن النقائص، وفيض إحسانه، ولا استحالة في ذلك.

الثالثة: عبر - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "مما سواهما" دون من سواهما لعموم ما.

[ ص: 530 ] وما سواهما: هو جميع المخلوقات من ملك ونبي وغيرهما.

الرابعة: فيه دلالة على أنه لا بأس بمثل هذه النسبة، أعني قوله: "سواهما". وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد غوى-: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". أخرجه مسلم من حديث عدي بن حاتم. فجوابه من أوجه: أحسنها: أنه ليس من هذا النوع; لأن المراد في (الخطب) الإيضاح لا الرموز والإشارات، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ.

ومما يدل على هذا حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه". أخرجه أبو داود وغيره بإسناد جيد، لأجل عمران بن داور -بالراء في آخره-، وإن خرج له البخاري متابعا، وحكم النووي والقرطبي لإسناده بالصحة.

[ ص: 531 ] ثانيها: إنه إنما أنكر الجمع تعظيما لله تعالى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثم ما شاء فلان" ; لما في ثم من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.

وقوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي [الأحزاب: 56] فيه اشتراك الضمير أيضا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته يصلون.

ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفه على: ومن يعصهما. لكن قوله: "قل : ومن يعص الله ورسوله" يرد ذلك.

رابعها: أنه - صلى الله عليه وسلم - له أن يجمع بخلاف غيره.

خامسها: أن الجمع يوهم التسوية من قصده فلهذا منعه، قاله ابن عبد السلام.

سادسها: أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة، فيكره (لغة) إقامة المضمر مقام (الظاهر) بخلاف كلام الخطيب; فإنه جملتان. قاله ابن رزين، وبعضهم أجاب بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره.

الخامسة: فيه الحث على المحبة في الله تعالى والإخلاص فيها.

[ ص: 532 ] وقد قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. وفيه أحاديث كثيرة، منها: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فقال: "ورجلان تحابا في الله". ومنها قوله: "المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"، وهو دأب أولياء الله تعالى.

وقد قال يحيى بن معاذ الرازي: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء، وأما المحبة المشوبة بالأغراض الدنيوية والحظوظ البشرية فغير مطلوبة; لأن من أحب لذلك انقطعت عند حصول غرضه أو إياسه منه، بخلاف المحبة (الخالصة) ; فإنه تحصل الألفة الموجبة للتعاون على البر والتقوى.

السادسة: معنى: "يعود في الكفر": يصير، والعود والرجوع قد استعملا بمعنى الصيرورة، قال تعالى: وما يكون لنا أن نعود فيها [الأعراف: 89] والمعنى أن هذه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان، وكشف له عن المحاسن والطغيان، وقيل: المعنى أن من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر في النار، يكره الكفر ككراهيته لدخول النار.

ومعنى "يقذف في النار": يصير فيها عافانا الله منها ومن كل البلاء.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث