الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              20 20 - حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا". [فتح: 1 \ 70]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              نا محمد بن سلام قال: أنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا".

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 570 ] الكلام عليه من وجوه:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              هذا الحديث (أخرجه البخاري هنا وأخرج..).

                                                                                                                                                                                                                              الوجه الثاني: في التعريف (برواته) :

                                                                                                                                                                                                                              أما عائشة وعروة وهشام فسلف ذكرهم في أول الكتاب.

                                                                                                                                                                                                                              وأما عبدة: فهو أبو محمد عبدة (ع) -بسكون الباء- ابن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن (سمير) بن (مليل) بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد في "طبقاته". وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب.

                                                                                                                                                                                                                              سمع جماعة من التابعين منهم: هشام والأعمش، وعنه: الأعلام: أحمد وغيره، قال أحمد: ثقة (ثقة). وزيادة مع صلاح، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن (يقرئ) .

                                                                                                                                                                                                                              توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة.

                                                                                                                                                                                                                              قاله (الترمذي). وقال البخاري: سنة سبع.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 571 ] وأما محمد (خ) بن سلام: فهو أبو عبد الله محمد بن سلام (بن الفرج) السلمي، مولاهم البخاري البيكندي -بباء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة- ويقال: الباكندي، ويقال: بالفاء، نسبة إلى بيكند: بلدة من بلاد بخارى على مرحلة منها خربت.

                                                                                                                                                                                                                              وينسب إليها ثلاثة أنفس، انفرد البخاري بهم عن مسلم هذا أحدهم، وثانيهم: محمد بن يوسف، وثالثهم: يحيى بن جعفر.

                                                                                                                                                                                                                              وسلام والد محمد -بالتخفيف- على الصواب، وبه قطع المحققون، منهم الخطيب وابن ماكولا.

                                                                                                                                                                                                                              وهو ما ذكره غنجار في "تاريخ بخارى" (وهو) أعلم ببلاده، وحكاه أيضا عنه. فقال: قال سهيل بن المتوكل: سمعت محمد بن سلام يقول: (أنا) محمد بن سلام -بالتخفيف- ولست بمحمد بن سلام، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وأما صاحب "المطالع" فادعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخه أو نحو ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 572 ] قال (النووي) : لا نوافق على هذه الدعوى فإنها مخالفة للمشهور، سمع محمد بن سلام ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما (من الأعلام)، وعنه الأعلام الحفاظ البخاري، وانفرد به من بين سائر الكتب الستة، وآخرون.

                                                                                                                                                                                                                              أنفق في العلم أربعين ألفا ومثلها في نشره، ويقال: إن الجن كانت تحضر مجلسه، وقال: أدركت مالكا ولم أسمع منه، وكان أحمد يعظمه، وعنه: أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة ومصنفات في أبواب (من) العلم، وانكسر قلمه في مجلس (شيخ فأمر أن ينادى) : قلم بدينار، فطارت إليه الأقلام، مات سنة خمس وعشرين ومائتين.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 573 ] الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه.

                                                                                                                                                                                                                              فمعنى قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [البقرة: 225]: بما قصدتموه، وعزمت عليه قلوبكم، فكسب القلب عزمه ونيته، فسمي الاعتقاد فعلا للقلب.

                                                                                                                                                                                                                              وأخبر تعالى أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم، فثبت أن (العقد) من صفات القلوب خلافا للكرامية، [ ص: 574 ] وبعض المرجئة ; حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقده بالقلب، وفي الآية دلالة للمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت (يؤاخذ بها) وأما قوله [ ص: 575 ] عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم" فمحمول على ما إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك; لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                              وقولها: (أمرهم من الأعمال بما يطيقون)، أي: يطيقون الدوام عليه. وقال لهم - صلى الله عليه وسلم - ذلك; لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزوا، وخير العمل ما دام وإن قل. وإذا حملوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقضي العهد، والراجعين عن (عادة جميلة)، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء على حاله; ولأنه إذا اعتاد من الطاعة بما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ لها ونشاط، ولا (يلحقه) ملل ولا سآمة. والأحاديث بنحو هذا كثيرة في الصحيح مشهورة.

                                                                                                                                                                                                                              وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها بقوله: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [الحديد: 27].

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 576 ] وقولهم: (لسنا كهيئتك يا رسول الله)، قالوه رغبة في الزيادة في الأعمال; لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم، وغفران ما تقدم له وما تأخر، (فعند ذلك) غضب - صلى الله عليه وسلم - إذ كان أولى منهم بالعمل; لعلمه بما عند الله، (وعظيم) خشيته له.

                                                                                                                                                                                                                              (قال) تعالى: إنما يخشى الله من عباده [فاطر: 28] وقيل: قالوه لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنهم أنه لا ينجيهم إلا بلوغ الغاية في العبادة.

                                                                                                                                                                                                                              وفي الحديث جمل من الفوائد والقواعد:

                                                                                                                                                                                                                              (إحداها) : ما قررناه من القصد في العبادة وملازمة ما يمكن الدوام عليه والرفق بالأمة، فالدين يسر.

                                                                                                                                                                                                                              ثانيها: أن الصالح ينبغي له أن لا يترك (جده) في العمل; (اعتمادا) على صلاحه.

                                                                                                                                                                                                                              ثالثها: له الإخبار بحاله إذا دعت إليه حاجة وينبغي أن يحرص على كتمانها; خوف زوالها من (إشاعتها).

                                                                                                                                                                                                                              رابعها: الغضب عند رد أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال غضبه.

                                                                                                                                                                                                                              خامسها: بيان ما كانت عليه الصحابة من الرغبة التامة في الطاعة والزيادة في الخيرات.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية