الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر بعض سيرته

كان أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خازنا لعلي على بيت المال ، فدخل علي يوما وقد زينت ابنته ، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت المال ، فقال : من أين لها هذه ؟ لأقطعن يدها ! فلما رأى أبو رافع جده في ذلك قال : أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها . فقال علي : لقد تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار وما لي خادم غيرها .

قال ابن عباس : قسم علم الناس خمسة أجزاء ، فكان لعلي منها أربعة أجزاء ، [ ص: 749 ] ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم به .

وقال أحمد بن حنبل : ما جاء لأحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جاء لعلي .

وقال عمرو بن ميمون : لما ضرب عمر بن الخطاب وجعل الخلافة في الستة من الصحابة ، فلما خرجوا من عنده قال : إن يولوها الأجلح يسلك بهم الطريق ، فقال له ابنه عبد الله : فما يمنعك يا أمير المؤمنين ( من توليته ) ؟ قال : أكره أن أتحملها حيا وميتا .

وقال عاصم بن كليب عن أبيه : قدم على علي مال من أصبهان ، فقسمه على سبعة أسهم ، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة ، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطى أولا .

وقال هارون بن عنترة عن أبيه : دخلت على علي بالخورنق - وهو فصل شتاء - وعليه خلق قطيفة ، وهو يرعد فيه ، فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا وأنت تفعل هذا بنفسك ؟ فقال : والله ما أرزأكم شيئا ، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة .

وقال يحيى بن سلمة : استعمل علي عمرو بن سلمة على أصبهان ، فقدم ومعه مال وزقاق فيها عسل وسمن ، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلا ، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن . فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم ، فعد الزقاق فنقصت زقين ، فسأله عنهما ، فكتمه وقال : نحن نحضرها ، فعزم عليه إلا ذكرها له ، فأخبره ، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها ، فرآهما قد نقصا ، فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما ، فكان ثلاثة دراهم ، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع .

قيل : وخرج من همدان فرأى رجلين يقتتلان ، ففرق بينهما ثم مضى ، فسمع صوتا : يا غوثاه بالله ! فخرج يحضر نحوه وهو يقول : أتاك الغوث . فإذا رجل يلازم رجلا . فقال : يا أمير المؤمنين بعت هذا ثوبا بسبعة دراهم ، وشرطت أن لا يعطيني مغموزا ولا مقطوعا ، وكان شرطهم يومئذ ، فأتاني بهذه الدراهم ، فأتيت ولزمته ، فلطمني . فقال للاطم : ما تقول ؟ فقال : صدق يا أمير المؤمنين . فقال : أعطه شرطه . فأعطاه . وقال للملطوم : اقتص . قال : أو أعفو يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذلك إليك . ثم قال : يا معشر المسلمين خذوه ، فأخذوه ، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب ، ثم ضربه [ ص: 750 ] خمس عشرة درة وقال : هذا نكال لما انتهكت من حرمته .

ولما قتل - عليه السلام - قام ابنه الحسن خطيبا فقال : لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن ، وفيها رفع عيسى ، وفيها قتل يوشع بن نون ، والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، والله إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعثه في السرية وجبرائيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، والله ما ترك ( صفراء ولا بيضاء ) إلا ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها لجارية .

وقال سفيان : إن عليا لم يبن آجرة على آجرة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب .

( وقيل : إنه أخرج سيفا له إلى السوق فباعه وقال : لو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه . وكان لا يشتري ممن يعرفه ، وإذا اشترى قميصا قدر كمه على طول يده وقطع الباقي ) . وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول : لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم .

وقال الشعبي : وجد علي درعا له عند نصراني ، فأقبل به إلى شريح وجلس إلى جانبه وقال : لو كان خصمي مسلما لساويته ، وقال : هذه درعي ! فقال النصراني : ما هي إلا درعي ، ولم يكذب أمير المؤمنين ؟ فقال شريح لعلي : ألك بينة ؟ قال : لا - وهو يضحك - فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيرا ، ثم عاد وقال : أشهد أن هذه أحكام الأنبياء ، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه ، وقاضيه يقضي عليه . ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين ، ففرح علي بإسلامه ووهب له الدرع وفرسا ، وشهد معه قتال الخوارج .

وقيل : إن عليا رؤي وهو يحمل في ملحفته تمرا قد اشتراه بدرهم ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك ؟ فقال : أبو العيال أحق بحمله .

وقال الحسن بن صالح : تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز ، فقال عمر : أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب .

وقال المدائني : نظر علي إلى قوم ببابه ، فقال لقنبر مولاه : من هؤلاء ؟ قال : [ ص: 751 ] شيعتك يا أمير المؤمنين . قال : وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة ؟ قال : وما سيماهم ؟ قال : خمص البطون من الطوي ، يبس الشفاه من الظمإ ، عمش العيون من البكاء .

( ومناقبه لا تحصى ، قد جمعت قضاياه في كتاب مفرد ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث