الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة مختصر خليل

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 25 ] وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط فقط [ ص: 26 ] وأشير ب " صحح " أو " استحسن " إلى أن شيخا غير الذين قدمتهم صحح هذا أو استظهره وب " التردد " لتردد المتأخرين في النقل أو لعدم نص المتقدمين [ ص: 27 ] وب " لو " إلى خلاف مذهبي ، والله أسأل أن ينفع به من كتبه ، أو قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه ، والله يعصمنا من الزلل ، ويوفقنا في القول والعمل ، ثم أعتذر لذوي الألباب ، [ ص: 28 ] من التقصير الواقع في هذا الكتاب ، وأسأل بلسان التضرع والخشوع وخطاب التذلل والخضوع : أن ينظر بعين الرضا والصواب ، فما كان من نقص كملوه ، [ ص: 29 ] ومن خطأ أصلحوه ، فقلما يخلص مصنف من الهفوات ، أو ينجو مؤلف من العثرات .

التالي السابق


( وأعتبر ) أي أنزل منزلة المنطوق ( من المفاهيم ) جمع مفهوم أي معنى دل عليه لفظ مسكوت عنه ، صلة أعتبر ( مفهوم الشرط ) ، أو حال منه في انصراف القيود والاستثناء ونحوهما إليه ( فقط ) أي لا مفهوم الصفة ، والعلة وظرف الزمان ، والمكان والعدد واللقب . ويعتبر مفهوم الحصر والغاية والاستثناء بالأولى للقول بأنها من المنطوق أي المعنى الذي دل عليه لفظ منطوق به فالحصر إضافي ، والمفهوم قسمان مفهوم موافقة وهو الموافق للمنطوق بالأولى كتحريم ضرب الوالدين المفهوم من قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } ويسمى فحوى الخطاب أو بالمساواة كتحريم إحراق مال اليتيم المفهوم من قوله { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } الآية ، ويسمى لحن الخطاب .

ومفهوم مخالفة وهو عشرة أقسام : مفهوم الحصر بالنفي والاستثناء نحو لا إله إلا الله أو ، بإنما نحو { أنما إلهكم إله واحد } ، ومفهوم الغاية نحو { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ، ومفهوم الاستثناء نحو { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا } ، ومفهوم الشرط نحو { إن تنصروا الله ينصركم } ، ومفهوم الصفة نحو { اهدنا الصراط المستقيم } ، ومفهوم الصلة نحو { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله } ، ومفهوم الزمان نحو { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ، والمكان نحو { فإذا أفضتم من عرفات } ، ومفهوم العدد نحو { ثمانين جلدة } ، ومفهوم اللقب أي الاسم الجامد نحو { أرسلنا نوحا } ، وكلها حجة عند الجمهور إلا هذا فاحتج به الدقاق الشافعي وابن خويز منداد المالكي وبعض الحنابلة وجمع ابن غازي أنواع مفهوم المخالفة في بيت فقال :

صف واشترط علل ولقب ثنيا وعد ظرفين وحصر أغيا

قوله ثنيا أي استثناء ، وقول أغيا أي غاية . [ ص: 26 ] وأشير ) بضم الهمز ( ب صحح واستحسن ) مبنيين للمجهول ( إلى أن شيخا ) من مشايخ المذهب الصادق بنفس المصنف خليل فقد يشير في هذا المختصر بهذا إلى تصحيح واستحسان نفسه في توضيحه ( غير ) الأربعة ( الذين قدمتهم ) في قولي وبالاختيار للخمي إلخ كابن عطاء الله وابن الحاجب .

( صحح هذا ) أي الحكم المقرون ب صحح أو استحسن من الخلاف ( أو استظهره ) من نفسه يحتمل أن مراده أنه يشير ب صحح لما كان من خلاف متقدم على المصحح وب استحسن لما كان من نفسه وهو الأقرب ويحتمل أن الإشارة بكل لكل .

( و ) أشير ( بالتردد ) لأحد أمرين إما ( لتردد ) جنس ( المتأخرين ) الصادق بواحد وهم في اصطلاح أهل المذهب طبقة الشيخ ابن أبي زيد ومن بعدهم ، والمراد بهم هنا المتأخرون مطلقا ( في النقل ) أي الحكم المنقول عن المتقدمين كنقلهم عمن قبلهم حكما في نازلة في باب ونقلهم عنه حكما آخر فيها في باب آخر وكنقل بعضهم عنه حكما في نازلة ونقل بعضهم الآخر حكما آخر فيها وكنقل بعضهم اتفاق المتقدمين على حكم في نازلة ونقل غيره عنهم الاختلاف فيها وسبب ذلك إما اختلاف قول المنقول عنه أو الاختلاف في معنى كلامه .

( أو ) الحكم الذي استنبطوه ( لعدم نص المتقدمين ) عليه فليس قوله لعدم معطوفا على التردد لاقتضائه أنه يشير بالتردد لعدم نص المتقدمين ولو اتفق المتأخرون على الحكم وليس كذلك ; إذ لا تردد مع اتفاقهم فالمعطوف الحكم ، والمعطوف عليه النقل والتردد في الحكم إن كان من واحد فمعناه التحير ، أو اختلاف الاجتهاد ، وإن كان من متعدد فمعناه اختلاف الاجتهاد ولم يذكر علامة مميزة بين الترددين ، والأول في كلامه كثير والثاني قليل كقوله : وفي خف غصب تردد ، وفي رابغ تردد ، وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد ، وفي جواز بيع من أسلم بخيار تردد . [ ص: 27 ]

( و ) أشير غالبا ( بلو ) مسبوقة بواو النكاية ولا جواب لها نحو قوله ، أو بمطروح ولو قصدا ( إلى ) وجود ( خلاف ) بالتنوين ( مذهبي ) كذلك ، نعت " خلاف " أي منسوب لمذهب مالك " رضي الله عنه " لوقوعه فيه إذا كان قويا ، وإلا فلا يشير إليه علم هذا من استقراء كلامه ومن غير الغالب ، تعبيره بلو لمجرد المبالغة ووقع للمصنف عكس هذا في " إن " فاستعملها في مجرد المبالغة غالبا وللرد على المخالف غير المذهبي قليلا .

( والله ) أي لا غيره بقرينة التقديم ( أسأل أن ينفع به ) أي هذا المختصر ( من ) من صيغ العام ( كتبه ) أي المختصر لنفسه ، أو غيره بأجرة ( أو قرأه ) أي المختصر ليحفظه ، أو يفهمه أو ليفهمه ، أو يتفهمه ( أو حصله ) أي استولى عليه وحازه بشراء ، أو استعارة أو استئجار ( أو سعى في شيء ) أي بعض ( منه ) أي المختصر بكتابة ، أو قراءة ، أو تحصيل أو اثنين منها ، أو الثلاثة ، أو بغيرها كإعانة كاتبه ، أو قارئه ، أو محصله كله ، أو بعضه ، وشهرته ، والإقبال عليه وكثرة الاشتغال به في جميع بلاد الإسلام دلائل على أن الله تعالى قد قبل منه هذا السؤال .

( والله يعصمنا ) أي يحفظنا ( من الزلل ) أصله الوقوع في نحو الوحل واستعمله في الخطأ لتشبيهه به في ترتب النقص على كل واستعاره له بعد التناسي ، والإدراج على سبيل التصريحية والقرينة حالية ، والجملة خبرية لفظا إنشائية معنى أي اللهم اعصمنا من الخطأ ( ويوفقنا ) أي يخلق فينا كسب الطاعة ( في القول ، والعمل ) أي كل أقوالنا وأعمالنا التي منها تأليف هذا الكتاب الخطر .

( ثم أعتذر ) أي أظهر عذري ( لذوي ) أي أصحاب ( الألباب ) جمع لب بضم اللام وشد الموحدة أي عقل كامل وهو نور روحاني بالقلب وشعاعه متصل بالدماغ آلة للنفس في إدراك العلوم الضرورية والنظرية يبتديه الله تعالى مع نفخ الروح في الجنين ويتمه عند [ ص: 28 ] كمال الأربعين سنة وخصهم به لأنهم الذين يقبلونه لكمال إيمانهم ، وصلة " أعتذر " ( من ) تعليلية ( التقصير ) مصدر قصر بفتحات مثقلا أي ترك الشيء وهو قادر عليه وأراد به لازمه أي الخلل ( الواقع ) أي الذي شأنه الوقوع وليس المراد الذي وقع بالفعل وعلمه ; إذ هذا يجب عليه إصلاحه ولا يحل له تركه والاعتذار منه ، وصلة " الواقع " ( في هذا الكتاب ) العظيم ، والخطب الجسيم الذي لا يقدر على مثله إلا بإمداد إلهي وتوفيق رباني فيغتفرون لي ما لعله يوجد فيه من الهفوات بما فتح الله تعالى فيه من الفروع الغريبة ، والمسائل ، والمهمات العجيبة فإن الحسنات يذهبن السيئات .

( وأسأل ) حذف المسئول اختصارا لعلمه مما سبق أي أسألهم ( بلسان ) ذي ( التضرع ) الخشوع ، أو المصدر بمعنى المتضرع لعلاقة الاشتقاق ، أو جعل ذاته تضرعا مبالغة في اتصاف به ، أو شبهه بإنسان في الاستدعاء وأثبت له اللسان تخييلا على طريق المكنية والتخيلية ، أو الإضافة لأدنى ملابسة ( والخشوع وخطاب ) أي كلام مقصود به الإفهام أو صالح له ذي ( التذلل ) وتجري فيه بقية الأوجه السابقة أيضا في لسان التضرع .

( والخضوع ) والخطاب محل إطناب فلا بأس بجمع الألفاظ الأربعة المترادفة فيها وتفنن بإضافة اللسان بمعنى الكلام للتضرع ، والخطاب بمعناه للتذلل وثاني مفعولي " أسأل " ( أن ) بفتح فسكون حرف مصدري صلته ( ينظر ) بالبناء للمفعول أي النظر فيه ( بعين ) ذي ( الرضا ) بكسر الراء وفتح الضاد المعجمة ، وفيه بقية الأوجه الخمسة السابقة أيضا ( والصواب ) أي الإنصاف .

( فما ) الفاء تفريعية وما شرطية و ( كان ) تامة وفاعلها عائد على ما و ( من نقص ) بيان لما أي إسقاط لفظ مخل بالمراد ( كملوه ) بفتح الميم فعل ماض جواب ما وبكسرها فعل أمر لعدم الفاء الرابطة له بالشرط ومراده به الإتيان باللفظ الناقص فالنقص [ ص: 29 ] معناه الناقص ، أو المنقوص منه لعلاقة الاشتقاق فيهما وليس المراد تكميل النقص بحذف باقي الجملة الناقصة كلمة أو الكلمة الناقصة حرفا مثلا ولا تكميل الأحكام بذكر ما لم ينص عليه لمنافاة هذا للاختصار وعدم تناهيه .

( و ) ما كان ( من خطأ ) في المعنى ، والحكم الشرعي الكلام ( أصلحوه ) بفتح اللام فعل ماض بالتنبيه عليه في الشرح ، أو الحاشية ، أو التقرير بأنه سهو ، أو سبق قلم وصوابه كذا هو على حذف مضاف تقديره كذا ، أو فيه تقديم وتأخير لا بتغيير في صلب الكتاب فإنه يؤدي لعدم الوثوق به ولأنه قد يكون ما فيه هو الصواب وما فهمه الناظر خلافه فيلزم إبدال الصواب بالخطأ قال الله { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } . وقال الشاعر :

وكم من عائب قولا صحيحا     وآفته من الفهم السقيم

.

والحذر من قلة الأدب ولا سيما مع مثل المصنف ; إذ العلماء العاملون ورثة الأنبياء أولياء الله تعالى ولا أحد أغير من الله تعالى ( فقل ) الفاء للتعليل وقل للنفي ( ما ) حرف كاف ل قل عن طلب الفاعل أي لا ( يخلص ) أي يسلم ( مصنف ) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر النون مشددة أي مؤلف وصلة " يخلص " ( من الهفوات ) بفتح الهاء ، والفاء جمع هفوة أي خطأ في المعاني .

( أو ينجو مؤلف ) بكسر اللام مشددة وصلة " ينجو " ( من العثرات ) بفتح العين المهملة ، والمثلثة جمع عثرة أي سقطة أراد بها الخطأ في الألفاظ وتركيبها ويحتمل العكس ويحتمل أنهما بمعنى واحد ، والخطب محل إطناب ، وذلك لأن الإنسان محل النسيان والقلب يتقلب في كل آن ويحتمل أن " قل " للتقليل و " ما " مصدرية ، والمصدر فاعل " قل " أي قل خلوص إلخ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث