الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب المساقاة

الركن الأول .

في محل المساقاة .

واختلفوا في محل المساقاة ، فقال داود : لا تكون المساقاة إلا في النخيل فقط .

وقال الشافعي : في النخل ، والكرم فقط .

وقال مالك : تجوز في كل أصل ثابت كالرمان ، والتين ، والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة ، وتكون في الأصول غير الثابتة كالمقاثئ ، والبطيخ مع عجز صاحبها عنها ، وكذلك الزرع ، ولا تجوز في شيء من البقول عند الجميع إلا ابن دينار ، فإنه أجازها فيه إذا نبتت قبل أن تستغل .

فعمدة من قصره على النخل : أنها رخصة ، فوجب أن لا يتعدى بها محلها الذي جاءت فيه السنة .

وأما مالك فرأى أنها رخصة ينقدح فيها سبب عام ، فوجب تعدية ذلك إلى الغير . وقد يقاس على الرخص عند قوم إذا فهم هنالك أسباب أعم من الأشياء التي علقت الرخص بالنص بها ، وقوم منعوا القياس على الرخص ، وأما داود فهو يمنع القياس على الجملة ، فالمساقاة على أصوله مطردة .

وأما الشافعي : فإنما أجازها في الكرم من قبل أن الحكم في المساقاة هو بالخرص ، وقد جاء في حديث عتاب بن أسيد الحكم بالخرص في النخل ، والكرم ، وإن كان ذلك في الزكاة ، فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة ، والحديث الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب وتؤدى زكاته زبيبا ، كما تؤدى زكاة النخل تمرا " . ودفع داود حديث عتاب ابن أسيد ; لأنه مرسل ، ولأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق ، وليس بالقوي .

واختلفوا إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار; هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل بجزء من النخل ، أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض ؟

فذهب إلى جواز ذلك طائفة ، وبه قال صاحبا أبي حنيفة ، والليث ، وأحمد ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وجماعة .

وقال الشافعي ، وأهل الظاهر : لا تجوز المساقاة إلا في التمر فقط .

وأما مالك ، فقال : إذا كانت الأرض تبعا للثمر ، وكان الثمر أكثر ذلك ، فلا بأس بدخولها في المساقاة اشترط جزءا خارجا منها ، أو لم يشترطه ، وحد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فما دونه ( أعني : أن يكون مقدار كراء الأرض الثلث من الثمر فما دونه ) ، ولم يجز أن يشترط رب الأرض أن يزرع البياض لنفسه; لأنها زيادة ازدادها عليه .

وقال الشافعي : ذلك جائز [ هكذا بالنسخ ، ولعله متناقض في النقل عن الشافعي ، فإنه نقل عنه أولا أنه لا يجوز إلا في الثمرة ، وهنا أنه تجوز المساقاة في الأرض والنخل معا فلعل له قولين ، تأمل ا هـ مصححه ] .

وحجة من أجاز المساقاة عليهما جميعا ( أعني : على الأرض بجزء مما يخرج منها ) : حديث ابن عمر المتقدم .

[ ص: 596 ] وحجة من لم يجز ذلك ما روي من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج ، وقد تقدم ذلك . وقال أحمد بن حنبل : أحاديث رافع مضطربة الألفاظ ، وحديث ابن عمر أصح . وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف ، وهو استحسان مبني على غير الأصول; لأن الأصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز من غير الجائز بالقليل والكثير من الجنس الواحد . ومنها اختلافهم في المساقاة في البقل; فأجازها مالك ، والشافعي ، وأصحابه ، ومحمد بن الحسن .

وقال الليث : لا تجوز المساقاة في البقل ، وإنما أجازها الجمهور; لأن العامل ، وإن كان ليس عليه فيها سقي فيبقى عليه أعمال أخر ، مثل الإبار ، وغير ذلك; وأما الليث فيرى السقي بالماء هو الفعل الذي تنعقد عليه المساقاة ، ولمكانه وردت الرخصة فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث