الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ومن سورة البروج

جزء التالي صفحة
السابق

3340 حدثنا محمود بن غيلان وعبد بن حميد المعنى واحد قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس والهمس في قول بعضهم تحرك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست قال إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم وبين أن أسلط عليهم عدوهم فاختاروا النقمة فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا قال وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر قال كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال الكاهن انظروا لي غلاما فهما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا فإني أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه قال فنظروا له على ما وصف فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه فجعل يختلف إليه وكان على طريق الغلام راهب في صومعة قال معمر أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين قال فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به فلم يزل به حتى أخبره فقال إنما أعبد الله قال فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطئ عن الكاهن فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام إنه لا يكاد يحضرني فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب إذا قال لك الكاهن أين كنت فقل عند أهلي وإذا قال لك أهلك أين كنت فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن قال فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة فقال بعضهم إن تلك الدابة كانت أسدا قال فأخذ الغلام حجرا فقال اللهم إن كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتلها قال ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس من قتلها قالوا الغلام ففزع الناس وقالوا لقد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد قال فسمع به أعمى فقال له إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا قال له لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك قال نعم قال فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتي بهم فقال لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه فانطلقوا به إلى ذلك الجبل فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام قال ثم رجع فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقونه فيه فانطلق به إلى البحر فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه فقال الغلام للملك إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني بسم الله رب هذا الغلام قال فأمر به فصلب ثم رماه فقال بسم الله رب هذا الغلام قال فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات فقال أناس لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام قال فقيل للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك قال فخد أخدودا ثم ألقى فيها الحطب والنار ثم جمع الناس فقال من رجع عن دينه تركناه ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار فجعل يلقيهم في تلك الأخدود قال يقول الله تبارك وتعالى فيه قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود حتى بلغ العزيز الحميد قال فأما الغلام فإنه دفن فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب

التالي السابق


قوله : ( عن صهيب ) بن سنان الرومي الصحابي المشهور . قوله : ( همس ) من باب ضرب أي تكلم بكلام خفي ( والهمس في قول بعضهم تحرك شفتيه كأنه يتكلم ) تفسير الهمس هذا من بعض الرواة قال في النهاية : الهمس الكلام الخفي لا يكاد يفهم ( كان أعجب ) بصيغة المجهول من الإعجاب ( بأمته ) أي من جهة الكثرة يقال أعجب بالشيء سره الشيء وعجب منه ( فأوحى الله إليه ) أي ذلك النبي ( أن خيرهم بين أن أنتقم منهم ) أي أعاقبهم ( فاختاروا ) النقمة بالكسر وبالفتح وكفرحة هي المكافأة بالعقوبة . اعلم أن حديث صهيب هذا رواه الترمذي هكذا مختصرا مجملا ورواه أحمد في مسنده مطولا مفصلا فرواه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى همس [ ص: 183 ] شيئا لا أفهمه ولا يخبرنا به قال أفطنتم لي قلنا نعم . قال : إني ذكرت نبيا من الأنبياء أعطي جنودا من قومه فقال من يكافئ هؤلاء أو من يقوم لهؤلاء ؟ أو غيرها من الكلام فأوحي إليه أن اختر لقومك إحدى ثلاث إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم أو الجوع أو الموت ، فاستشار قومه في ذلك فقالوا أنت نبي الله فكل ذلك إليك خر لنا فقام إلى الصلاة وكانوا إذا فزعوا فزعوا إلى الصلاة فصلى ما شاء الله قال ثم قال : أي رب أما عدو من غيرهم فلا . أو الجوع فلا . ولكن الموت فسلط عليهم الموت . فمات منهم سبعون ألفا ، فهمسي الذي ترون أني أقول : اللهم بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوة إلا بالله . ورواه من طريق عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء لم نكن نراه يفعله . فقلنا يا رسول الله إنا نراك تفعل شيئا لم تكن تفعله فما هذا الذي تحرك شفتيك ؟ قال " إن نبيا فيمن كان قبلكم أعجبته كثرة أمته فقال لن يروم هؤلاء شيء . فأوحى الله إليه أن خير أمتك بين إحدى ثلاث إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم أو الجوع وإما أن أرسل عليهم الموت ، فشاورهم فقالوا أما العدو فلا طاقة لنا بهم ، وأما الجوع فلا صبر لنا عليه ولكن الموت ، فأرسل عليهم الموت فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل ( قال وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر قال : كان ملك من الملوك إلخ ) قال الحافظ ابن كثير : وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا الحافظأبو الحجاج المزي : فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى انتهى . وقال الحافظ في الفتح : صرح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ومن طريقه أخرجها مسلم والنسائي وأحمد ووقفها معمر عن ثابت ومن طريقه أخرجها الترمذي انتهى . قلت : في صحيح مسلم عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر قصة أصحاب الاخدود إلخ " ( غلاما فهما ) أي سريع الفهم ( أو قال فطنا ) أي حاذقا ( لقنا ) أي حسن التلقن لما يسمعه وهذه الألفاظ الثلاثة بوزن كتف بفتح الكاف وكسر الفوقية ( فنظروا له ) أي للكاهن ( على ما وصف ) أي ذكر لهم الكاهن ( فأمروه ) أي فوجدوا غلاما [ ص: 184 ] على ما وصفه فأمروه ( وأن يختلف إليه ) أي يتردد إليه ( راهب في صومعة ) الراهب واحد رهبان النصارى وهو من اعتزل عن الناس إلى دير طلبا للعبادة ، والصومعة كجوهرة بيت للنصارى ينقطع فيه رهبانهم ( قال معمر أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين ) ما يدل عليه سياق هذه القصة ( فلم يزل به ) أي الغلام بالراهب ( قال فأخذ الغلام حجرا ) وفي رواية مسلم : فقال اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل . فأخذ حجرا ( قال فسمع به أعمى ) وفي رواية مسلم . فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي ، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة ( لأقتلن كل واحد منكم قتل ) بكسر القاف أي بنوع من القتل ( لا أقتل بها صاحبه ) صفة لقوله قتلة : ( فوضع المنشار ) بكسر الميم آلة ذات أسنان ينشر بها الخشب ونحوه ( على مفرق أحدهما ) المفرق كمقعد ومجلس وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر ( وقتل الآخر بقتلة أخرى ) وفي رواية مسلم فجيء بالراهب [ ص: 185 ] فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ، فرواية مسلم هذه تخالف رواية الترمذي مخالفة ظاهرة ولم يظهر لي وجه الجمع فتفكر وتأمل ( جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ) أي يتساقطون منه ( ويتردون ) من التردي أي يسقطون ، وفي رواية مسلم : فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا ( فانطلق به إلى البحر فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه ) وفي رواية مسلم : فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك ( حتى تصلبني ) أي على جذع كما في رواية مسلم . قال في القاموس : صلبه كضربه جعله مصلوبا كصلبه ( فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات ) وفي رواية مسلم : ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات ( أجزعت ) بكسر الزاي من الجزع ، محركة وهو نقيض الصبر ( أن خالفك ثلاثة ) أي الأعمى والراهب والغلام ( فخد ) أي شق ( أخدودا ) بضم الهمزة وسكون المعجمة الشق العظيم وجمعه أخاديد ( يقول الله تبارك وتعالى فيه ) أي في شأن هذه القصة قتل أي لعن وهو جواب القسم وقيل جوابه : إن بطش ربك لشديد ( أصحاب الأخدود أي الملك الذي خد الأخدود وأصحابه ( النار بدل اشتمال من الأخدود ( ذات الوقود وصف لها بأنها عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس ، وبعده إذ ظرف لـ " قتل " أي لعنوا حين أحرقوا بالنار [ ص: 186 ] قاعدين حولها هم عليها أي حولها على جانب الأخدود قعود أي جلوس على الكراسي وهم أي الذين خدوا الأخدود وهم الملك وأصحابه على ما يفعلون بالمؤمنين بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن إيمانهم شهود أي حضور . روي أن الله أنجى المؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها فخرجت النار إلى من ثم فأحرقتهم وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا أي ما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله :

206

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب



بالله العزيز الحميد ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه حميدا منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه ( قال فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب إلخ ) قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دما وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله ، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا . قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي ولم يذكروا الحديث الأول منه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث