الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول في أنواع القسمة

الفصل الأول .

في الرباع .

فأما الرباع والأصول : فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة ، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا ، وإن كانوا اختلفوا في محل ذلك وشروطه . والقسمة لا تخلو أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة :

فإذا كانت في محل واحد : فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ، ولم تنقص منفعة الأجزاء بالانقسام ، ويجبر الشركاء على ذلك .

وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه : فاختلف في ذلك مالك وأصحابه ، فقال مالك : إنها تقسم بينهم إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه ، مثل قدر القدم ، وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وعمدتهم في ذلك قوله تعالى : ( مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) .

وقال ابن القاسم : لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة ، وإن كان لا يراعي في ذلك نقصان الثمن .

وقال ابن الماجشون : يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به ، وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت أقل .

وقال مطرف من أصحابه : إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم ، وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به ، وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به ، قسم وجبروا على ذلك ، سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير ، وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل ، ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير ، وقيل بعكس هذا وهو ضعيف .

[ ص: 613 ] واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى منفعة أخرى مثل الحمام : فقال مالك : يقسم إذا طلب ذلك أحد الشريكين ، وبه قال أشهب .

وقال ابن القاسم : لا يقسم ، وهو قول الشافعي .

فعمدة من منع القسمة : قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " .

وعمدة من رأى القسمة قوله تعالى : ( مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) .

ومن الحجة لمن لم ير القسمة حديث جابر ، عن أبيه : " لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم " . والتعضية : التفرقة ، يقول : لا قسمة بينهم .

وأما إذا كانت الرباع أكثر من واحد : فإنها لا تخلو أيضا أن تكون من نوع واحد أو مختلفة الأنواع :

فإذا كانت متفقة الأنواع : فإن فقهاء الأمصار في ذلك مختلفون : فقال مالك : إذا كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : بل يقسم كل عقار على حدته .

فعمدة مالك : أنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة .

وعمدة الفريق الثاني : أن كل عقار تعينه بنفسه; لأنه تتعلق به الشفعة .

واختلف أصحاب مالك إذا اختلفت الأنواع المتفقة في النفاق ، وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال .

وأما إذا كانت الرباع مختلفة ، مثل أن يكون منها دور ، ومنها حوائط ، ومنها أرض ، فلا خلاف أنه لا يجمع في القسمة بالسهمة . ومن شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدا صلاحها باتفاق في المذهب; لأنه يكون بيع الطعام بالطعام على رءوس الثمر وذلك مزابنة .

وأما قسمتها قبل بدو الصلاح : ففيه اختلاف بين أصحاب مالك : أما ابن القاسم فلا يجيز ذلك قبل الإبار بحال من الأحوال ، ويعتل لذلك; لأنه يؤدي إلى بيع طعام بطعام متفاضلا ، ولذلك زعم أنه لم يجز مالك شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام ، لا نسيئة ولا نقدا; وأما إن كان بعد الإبار ، فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في القسمة ، وما لم يدخل في نصيبه فهم فيه على الشركة ، والعلة في ذلك عنده أنه يجوز اشتراط المشتري الثمر بعد الإبار ولا يجوز قبل الإبار ، فكأن أحدهما اشترى حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت له في القسمة بحظه من الثمرات التي وقعت لشريكه واشترط الثمر .

وصفة القسم بالقرعة : أن تقسم الفريضة ، وتحقق ، وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام ، ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها ، ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة ، فربما عدل جزء من موضع ثلاثة أجزاء من موضع آخر على قيم الأرضين ومواضعها ، فإذا قسمت على هذه الصفات ، وعدلت كتبت في بطائق أسماء الأشراك ، وأسماء الجهات ، فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها ، وقيل : يرمى بالأسماء في الجهات ، فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها ، فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه ، فهذه هي حال قرعة السهم في الرقاب .

والسهمة إنما جعلها الفقهاء في القسمة تطييبا لنفوس المتقاسمين ، وهي موجودة في الشرع في مواضع :

منها : قوله تعالى : ( فساهم فكان من المدحضين ) ، وقوله : ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) .

[ ص: 614 ] ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه : " أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ، فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، فأعتق ثلث ذلك الرقيق " .

وأما القسمة بالتراضي سواء كانت بعد تعديل وتقويم ، أو بغير تقويم وتعديل; فتجوز في الرقاب المتفقة والمختلفة; لأنها بيع من البيوع ، وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث