الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب التفليس

وأما معرفة الديون التي يحاص بها من الديون التي لا يحاص بها على مذهب مالك : فإنها تنقسم أولا إلى قسمين :

أحدهما : أن تكون واجبة عن عوض .

والثاني : أن تكون واجبة من غير عوض .

فأما الواجبة عن عوض : فإنها تنقسم إلى عوض مقبوض ، وإلى عوض غير مقبوض : فأما ما كانت عن عوض مقبوض ، وسواء كانت مالا ، أو أرش جناية : فلا خلاف في المذهب أن محاصة الغرماء بها واجبة .

[ ص: 633 ] وأما ما كان عن عوض غير مقبوض : فإن ذلك ينقسم خمسة أقسام :

أحدها : أن لا يمكنه دفع العوض بحال كنفقة الزوجات لما يأتي من المدة .

والثاني : أن لا يمكنه دفع العوض ، ولكن يمكنه دفع ما يستوفى فيه ، مثل أن يكتري الرجل الدار بالنقد ، أو يكون العرف فيه النقد ، ففلس المكتري قبل أن يسكن ، أو بعد ما سكن بعض السكنى ، وقبل أن يدفع الكراء .

والثالث : أن يكون دفع العوض يمكنه ويلزمه ، كرأس مال السلم إذا أفلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال .

والرابع : أن يمكنه دفع العوض ولا يلزمه ، مثل السلعة إذا باعها ففلس المبتاع قبل أن يدفعها إليه البائع .

والخامس : أن لا يكون إليه تعجيل دفع العوض ، مثل أن يسلم الرجل إلى الرجل دنانير في عروض إلى أجل فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال ، وقبل أن يحل أجل السلم .

1 - فأما الذي لا يمكنه دفع العوض بحال فلا محاصة في ذلك إلا في مهور الزوجات إذا فلس الزوج قبل الدخول .

2 - وأما الذي لا يمكنه دفع العوض ويمكنه دفع ما يستوفى منه ، مثل المكتري يفلس قبل دفع الكراء : فقيل : للمكري المحاصة بجميع الثمن وإسلام الدار للغرماء ، وقيل : ليس له إلا المحاصة بما سكن ويأخذ داره ، وإن كان لم يسكن فليس له إلا أخذ داره .

3 - وأما ما يمكنه دفع العوض ويلزمه وهو إذا كان العوض عينا : فقيل : يحاص به الغرماء في الواجب له بالعوض ، ويدفعه ، فقيل : هو أحق به وعلى هذا لا يلزمه دفع العوض .

4 - وأما ما يمكنه دفع العوض ، ولا يلزمه : فهو بالخيار بين المحاصة ، والإمساك ، وذلك هو إذا كان العوض عينا .

5 - وأما إذا لم يكن إليه تعجيل العوض مثل أن يفلس المسلم ، وقبل أن يدفع رأس المال ، وقبل أن يحل أجل السلم : فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض ، ويحاصص الغرماء برأس مال السلم ، فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء ، فإن أبى ذلك أحد الغرماء حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد للغريم من مال ، وفي العروض التي عليه إذا حلت; لأنها من مال المفلس ، وإن شاءوا أن يبيعوها بالنقد ، ويتحاصوا فيها كان ذلك لهم .

وأما ما كان من الحقوق الواجبة عن غير عوض : فإن ما كان منها غير واجب بالشرع ، بل بالالتزام كالهبات ، والصدقات فلا محاصة فيها . وأما ما كان منها واجبا بالشرع كنفقة الآباء والأبناء ، ففيها قولان :

أحدهما : أن المحاصة لا تجب بها ، وهو قول ابن القاسم .

والثاني : أنها تجب بها إذا لزمت بحكم من السلطان ، وهو قول أشهب .

وأما النظر الخامس ( وهو معرفة وجه التحاص ) : فإن الحكم في ذلك أن يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء ، وسواء كان مال الغرماء من جنس واحد أو من أجناس مختلفة; إذ كان لا يقتضي في الديون إلا ما هو من جنس الدين إلا أن يتفقوا من ذلك على شيء يجوز .

[ ص: 634 ] واختلفوا من هذا الباب في فرع طارئ ، وهو إذا هلك مال المحجور عليه بعد الحجر وقبل قبض الغرماء : ممن مصيبته ؟ فقال أشهب : مصيبته من المفلس . وقال ابن الماجشون : مصيبته من الغرماء إذا وقفه السلطان . وقال ابن القاسم : ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم; لأنه إنما يباع على ملكه ، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء ، مثل أن يكون المال عينا والدين عينا . كلهم روى قوله عن مالك . وفرق أصبغ بين الموت والفلس فقال : المصيبة في الموت من الغرماء ، وفي الفلس من المفلس .

فهذا هو القول في أصول أحكام المفلس الذي له من المال ما لا يفي بديونه .

وأما المفلس الذي لا مال له أصلا : فإن فقهاء الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته ، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز : أن لهم أن يؤاجروه ، وقال به أحمد من فقهاء الأمصار . وكلهم مجمعون على أن المدين إذا ادعى الفلس ، ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه أو يقر له بذلك صاحب الدين ، فإذا كان ذلك خلي سبيله . وحكي عن أبي حنيفة : أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار .

وإنما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون ، وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح; لأن ذلك أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض ، وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة ، وهو الذي يسمى بالقياس المرسل . وقد روي : " أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلا في تهمة " خرجه فيما أحسب أبو داود .

والمحجورون عند مالك : السفهاء ، والمفلسون ، والعبيد ، والمرضى ، والزوجة فيما فوق الثلث ; لأنه يرى أن للزوج حقا في المال ، وخالفه في ذلك الأكثر .

وهذا القدر كاف بحسب غرضنا في هذا الكتاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث