الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب العارية

[ أحكام العارية ]

وأما الأحكام فكثيرة ، وأشهرها هل هي مضمونة أو أمانة ؟ فمنهم من قال : إنها مضمونة وإن قامت البينة على تلفها ، وهو قول أشهب ، والشافعي ، وأحد قولي مالك ، ومنهم من قال نقيض هذا ، وهو أنها ليست مضمونة أصلا ، وهو قول أبي حنيفة ، ومنهم من قال : يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يكن على التلف بينة ، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه ، ولا فيما قامت البينة على تلفه ، وهو مذهب مالك المشهور ، وابن القاسم وأكثر أصحابه .

وسبب الخلاف تعارض الآثار في ذلك ، وذلك أنه ورد في الحديث الثابت أنه قال - عليه الصلاة والسلام - لصفوان بن أمية : " بل عارية مضمونة مؤداة " ، وفي بعضها " بل عارية مؤداة " ، وروي عنه أنه قال : " ليس على المستعير ضمان " .

فمن رجح وأخذ بهذا أسقط الضمان عنه ، ومن أخذ بحديث صفوان بن أمية ألزمه الضمان ، ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه ، فحمل هذا الضمان على ما يغاب عليه ، والحديث [ ص: 651 ] الآخر على ما لا يغاب عليه ، إلا أن الحديث الذي فيه " ليس على المستعير ضمان " غير مشهور ، وحديث صفوان صحيح ، ومن لم ير الضمان شبهها بالوديعة ، ومن فرق قال : الوديعة مقبوضة لمنفعة الدافع ، والعارية لمنفعة القابض .

واتفقوا في الإجارة على أنها غير مضمونة ( أعني : الشافعي وأبا حنيفة ومالكا ) ، ويلزم الشافعي إذا سلم أنه لا ضمان عليه في الإجارة أن لا يكون ضمان في العارية إن سلم أن سبب الضمان هو الانتفاع ; لأنه إذا لم يضمن حيث قبض لمنفعتهما فأحرى أن لا يضمن حيث قبض لمنفعته إذا كانت منفعة الدافع مؤثرة في إسقاط الضمان .

واختلفوا إذا شرط الضمان ، فقال قوم : يضمن ، وقال قوم : لا يضمن ، والشرط باطل ، ويجيء على قول مالك إذا اشترط الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه عليه الضمان أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية ; لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية إلى باب الإجارة الفاسدة إذا كان صاحبها لم يرض أن يعيرها إلا بأن يخرجها في ضمانه ، فهو عوض مجهول فيجب أن يرد إلى معلوم .

واختلف عن مالك والشافعي إذا غرس المستعير وبنى ثم انقضت المدة التي استعار إليها ، فقال مالك : المالك بالخيار إن شاء أخذ المستعير بقلع غراسته وبنائه ، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعا إذا كان مما له قيمة بعد القلع ، وسواء عند مالك انقضت المدة المحدودة بالشرط أو بالعرف أو العادة ، وقال الشافعي : إذا لم يشترط عليه القلع فليس له مطالبته بالقلع ، بل يخير المعير بأن يبقيه بأجر يعطاه ، أو ينقض بأرش ، أو يتملك ببدل ، فأيهما أراد المعير أجبر عليه المستعير ، فإن أبى كلف تفريغ الملك . وفي جواز بيعته للنقض عنده خلاف ; لأنه معرض للنقض .

فرأى الشافعي أن أخذه المستعير بالقلع دون أرش هو ظلم ، ورأى مالك أن عليه إخلاء المحل ، وأن العرف في ذلك يتنزل منزلة الشروط ، وعند مالك أنه إن استعمل العارية استعمالا ينقصها عن الاستعمال المأذون فيه ضمن ما نقصها بالاستعمال .

واختلفوا من هذا الباب في الرجل يسأل جاره أن يعيره جداره ليغرز فيه خشبة لمنفعته ولا تضر صاحب الجدار ، وبالجملة في كل ما ينتفع به المستعير ولا ضرر على المعير فيه ، فقال مالك وأبو حنيفة : لا يقضى عليه به إذ العارية لا يقضى بها ، وقال الشافعي وأحمد ، وأبو ثور ، وداود وجماعة أهل الحديث : يقضى بذلك .

وحجتهم ما خرجه مالك عن ابن شهاب ، عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " ، ثم يقول أبو هريرة : مالي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمين بها بين أكتافكم .

واحتجوا أيضا بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك بن قيس ساق خليجا له من العريض ، فأرادوا أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة ، فأبى محمد ، فقال له الضحاك : أنت تمنعني وهو لك منفعة ، تسقي منه أولا وآخرا ولا يضرك ؟ فأبى محمد ، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب ، فدعا عمر محمد بن مسلمة ، فأمره أن يخلي سبيله ، قال محمد : لا ، فقال عمر : لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك ، فقال [ ص: 652 ] محمد : لا ، فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك ، فأمره عمر أن يمر به ، ففعل الضحاك .

وكذلك حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال : كان في حائط جدي ربيع لعبد الرحمن بن عوف ، فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط ، فمنعه صاحب الحائط ، فكلم عمر بن الخطاب ، فقضى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله وقد عذل الشافعي مالكا لإدخاله هذه الأحاديث في موطئه ، وتركه الأخذ بها .

وعمدة مالك ، وأبي حنيفة قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " وعند الغير أن عموم هذا مخصص بهذه الأحاديث ، وبخاصة حديث أبي هريرة . وعند مالك أنها محمولة على الندب ، وأنه إذا أمكن أن تكون مختصة وأن تكون على الندب فحملها على الندب أولى ; لأن بناء العام على الخاص إنما يجب إذا لم يمكن بينهما جمع ووقع التعارض . وروى أصبغ عن ابن القاسم : أنه لا يؤخذ بقضاء عمر على محمد بن مسلمة في الخليج ، ويؤخذ بقضائه لعبد الرحمن بن عوف في تحويل الربيع ، وذلك أنه رأى أن تحويل الربيع أيسر من أن يمر عليه بطريق لم يكن قبل ، وهذا القدر كاف بحسب غرضنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث