الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الأول النظر في موجب القصاص

[ صفة القتل ]

وأما صفة الذي يجب به القصاص ، فاتفقوا على أنه العمد ، وذلك أنهم أجمعوا على أن القتل صنفان : عمد ، وخطأ . واختلفوا في هل بينهما وسط أم لا ؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد ، فقال به جمهور فقهاء [ ص: 719 ] الأمصار . والمشهور عن مالك نفيه إلا في الابن مع أبيه . وقد قيل إنه يتخرج عنه في ذلك رواية أخرى ، وبإثباته قال عمر بن الخطاب ، وعلي ، وعثمان ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، والمغيرة ، ولا مخالف لهم من الصحابة .

والذين قالوا به فرقوا فيما هو شبه العمد مما ليس بعمد ، وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل ، وإلى الأحوال التي كان من أجلها الضرب ، فقال أبو حنيفة : كل ما عدا الحديد من القضب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : شبه العمد ما لا يقتل مثله ، وقال الشافعي : شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل ( أي : ما كان ضربا لم يقصد به القتل فتولد عنه القتل ) ، والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعا . والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا ، وهو حسن .

فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد ( أعني : بين أن يقصد القتل أو لا يقصده ) . وعمدة من أثبت الوسط أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تبارك وتعالى وإنما الحكم بما ظهر .

فمن قصد ضرب آخر بآلة لا تقتل غالبا كان حكمه كحكم الغالب ( أعني : حكم من قصد القتل فقتل بلا خلاف ) . ومن قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل غالبا كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ هذا في حقنا لا في حق الآمر نفسه عند الله تعالى .

أما شبهة العمد فمن جهة ما قصد ضربه . وأما شبهه للخطأ فمن جهة أنه ضرب بما لا يقصد به القتل . وقد روي حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ألا إن قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " إلا أنه حديث مضطرب عند أهل الحديث لا يثبت من جهة الإسناد فيما ذكره أبو عمر بن عبد البر ، وإن كان أبو داود ، وغيره قد خرجه ، فهذا النحو من القتل عند من لا يثبته يجب به القصاص ، وعند من أثبته تجب به الدية ، ولا خلاف في مذهب مالك أن الضرب يكون على وجه الغضب والنائرة يجب به القصاص . واختلف في الذي يكون عمدا على جهة اللعب ، أو على جهة الأدب لمن أبيح له الأدب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث