الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام "

جزء التالي صفحة
السابق

461 [ ص: 223 ] ( 5 ) باب ما جاء في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - .

436 - ذكر فيه مالك حديث أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " صلاة في مسجدي هذا ، خير من ألف صلاة فيما سواه . إلا المسجد الحرام " .

[ ص: 224 ]

التالي السابق


[ ص: 224 ] 10221 - ورواه عن زيد بن رباح ، وعبيد الله بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد الله سلمان الأغر ، عن أبي هريرة .

10222 - وهو حديث رواه عن أبي هريرة جماعة ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة قد ذكرت كثيرا منها في " التمهيد " .

[ ص: 225 ] 10223 - وأجمعوا على صحته ، واختلفوا في تأويله ، فكان عبد الله بن نافع الزبيري - صاحب مالك - في ما روى يحيى بن يحيى عنه أنه سأله عن معنى هذا الحديث فقال : معناه أن الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة .

10224 - وهذا التأويل على بعده ومخالفة أكثر أهل العلم له فيه لا حظ له في اللسان العربي ; لأنه لا يقوم في اللسان إلا بقرينة وبيان ولا بيان ولا دليل لمن تأول تأويل ابن نافع يشهد له .

10225 - وأهل العربية يقولون : إذا قلت اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق جاز أن يكون العراق مساويا لليمن وفاضلا ومفضولا ، فإذا كان مساويا فقد علم مقدار فضله ، وإذا كان فاضلا أو مفضولا فمطلق في الفضل لا يعلم كم مقدار المفاضلة بينهما إلا بقرينة ودليل على عدة درجات ، فإن أيده على تلك أو ناقضه عنه فيحتاج إلى الإتيان بها .

10226 - قال أبو عمر : قد علمنا أنه لم يحمل ابن نافع على ما تأوله في حديث النبي ، صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا . . . " إلا ما كان يذهب إليه هو وشيخه مالك من تفضيل المدينة على مكة وتفضيل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسجد الحرام .

10227 - وتفضيل المدينة على مكة أو مكة على المدينة مسألة قد اختلف فيها أهل العلم .

[ ص: 226 ] 10228 - وذكر أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي ، قال : اختلف الناس في تفضيل مكة على المدينة .

10229 - فقال مالك وكثير من المدنيين : المدينة أفضل من مكة .

10230 - وقال الشافعي : مكة خير البقاع .

10231 - وهو قول عطاء بن أبي رباح والمكيين وأهل الكوفة أجمعين .

10232 - قال : واختلف أهل البصرة في ذلك فطائفة قالوا : مكة . وطائفة قالوا : المدينة .

10233 - وقال عامة أهل الأثر : الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة ، ومن الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجد الرسول أفضل من سائر المساجد بألف صلاة .

10234 - قد أوضحنا المعنى في تأويل عبد الله بن نافع ، وذكرنا ما نزعت إليه الفرق من الآثار في هذه المسألة ، إذ لا مدخل فيها للنظر ، إنما تعرف الفضائل في مثل ذلك بالتوقيف لا بالاستنباط والاجتهاد ، وأتينا بما روينا في ذلك مبسوطا في " التمهيد " ، والحمد لله .

10235 - وأحسن حديث روي في ذلك ما رواه حماد بن زيد وغيره ، عن حبيب المعلم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد [ ص: 227 ] إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة " .

10236 - وقد ذكرنا إسناده من طرق في " التمهيد " .

10237 - وقال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : حبيب المعلم ثقة .

10238 - وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : حبيب المعلم ثقة .

10239 - وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ما أصح حديثه .

10240 - وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم ; فقال : بصري ثقة .

[ ص: 228 ] 10241 - قال أبو عمر : سائر الإسناد لا يحتاج إلى القول فيه .

10242 - وقد روي من حديث ابن عمر ، وحديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ابن الزبير هذا سواء .

10243 - وقد ذكرت الطرق بذلك في " التمهيد " .

10244 - وذكر البزار ، قال : حدثنا إبراهيم بن جميل ، قال : حدثنا محمد بن يزيد بن شداد ، قال : حدثنا سعيد بن سالم القداح ، قال : حدثنا سعيد بن بشر ، عن إسماعيل بن عبيد الله ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة ، وفي مسجدي ألف صلاة ، وفي مسجد بيت المقدس خمس مائة صلاة " .

10245 - قال أبو بكر البزار : هذا حديث حسن .

10246 - حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، وأحمد بن سلمة بن الضحاك ، قالا : حدثنا [ ص: 229 ] سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " .

10247 - قال سفيان : فيرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن مائة ألف صلاة في غيره .

10248 - قال ابن وضاح : حدثنا أحمد بن عمر بن السرح ، قال : سمعت ابن وهب يقول : ما رأيت أعلم بتفسير هذا الحديث من سفيان بن عيينة .

10249 - قال أبو عمر : من جعل قول ابن عيينة حجة في تأويل قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : " أوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة " . أنه مالك بن أنس ، وقوله أيضا : كانوا يرونه مالك بن أنس .

[ ص: 230 ] 10250 - وقوله يلزمه أن يجعل قوله " فيرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنها تفضله بمائة [ ص: 231 ] صلاة " حجة أيضا في هذا . وهذا شيء لا ينفك منه منصف .

10251 - وقد روينا عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي الدرداء ، وجابر بن عبد الله : أنهم كانوا يفضلون مكة [ ص: 232 ] ومسجدها ، وإذا لم يكن بد من التقليد فهم أولى أن يقلدوا من غيرهم الذين جاءوا بعدهم .

10252 - وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك في " التمهيد " .

10253 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجد المدينة .

10254 - قال معمر : وقد سمعت أيوب يحدث عن أبي العالية ، عن عبد الله بن الزبير مثل قول قتادة .

10255 - وقال عبد الله بن حبيب ، عن مطرف ، وعن أصبغ ، عن ابن وهب : أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي ، صلى الله عليه وسلم .

10256 - فهؤلاء أصحاب مالك قد اختلفوا في ذلك ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث