الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيمن كان مريضا في رمضان فخاف إن صام ازدياد مرضه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 25 - 26 ] ( وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل ، وإن أفطر جاز ) لأن السفر لا يعرى عن المشقة ، فجعل نفسه عذرا ، بخلاف المرض ، فإنه قد يخف بالصوم ، فشرط كونه مفضيا إلى الحرج ، وقال الشافعي رحمه الله : الفطر أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم { ليس من البر الصيام في السفر }" . ولنا أن رمضان أفضل الوقتين ، فكان الأداء فيه أولى ، وما رواه محمول على حالة الجهد

[ ص: 26 ]

التالي السابق


[ ص: 26 ] الحديث الثامن عشر : قال عليه السلام : { ليس من البر الصيام في السفر }" قلت : رواه البخاري ، ومسلم من حديث جابر ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ، ورجل قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : صائم ، فقال : ليس من البر الصوم في السفر }" ، انتهى ، وزاد مسلم في لفظ : { وعليكم برخصة الله التي رخص لكم }انتهى .

وروي : { ليس من امبر امصيام في امسفر }" وهي لغة بعض العرب ، رواها عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا معمر عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي عن أم الدرداء عن كعب بن عاصم الأشعري عن النبي عليه السلام ، فذكره ، وعن عبد الرزاق رواه أحمد في " مسنده " ، ومن طريق أحمد رواه الطبراني في " معجمه " ، والمصنف رحمه الله استدل بهذا الحديث على الشافعي رضي الله تعالى عنهفي قوله : الفطر أفضل لمن لا يستضر بالصوم ، وهذا القول لا يصح عن الشافعي ، ولا حكي عنه ، ولكنه مذهب أحمد ، وهكذا نقله عنه ابن الجوزي في " التحقيق " ، واستدل له بهذا الحديث ، وليس فيه حجة ، لأن القصة وردت في صيام من استضر بالصوم ، ولكن يمكن أن يستدل لأحمد بحديث أخرجه مسلم عن { حمزة بن عمرو الأسلمي ، أنه قال : يا رسول الله أجد في قوة على الصيام في السفر ، فهل علي جناح ؟ فقال عليه السلام : هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه }" انتهى . وكذلك حديث { أولئك العصاة } ، أخرجه مسلم أيضا عن [ ص: 27 ] جابر : { أن النبي عليه السلام خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ، ثم دعا بقدح من ماء فشربه ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام ، قال : أولئك العصاة }" وهذا أيضا محمول على من استضر ، بدليل ما ورد في لفظ لمسلم فيه أيضا ، فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصوم ، ورواه الواقدي في " المغازي " ، وفيه : وكان أمرهم بالفطر ، فلم يقبلوا ، وأما حديث : { الصائم في السفر كالمفطر في الحضر } ، فأخرجه ابن ماجه في " سننه " عن عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر }" انتهى .

وأخرجه البزار في " مسنده " [ ص: 28 ] عن عبد الله بن عيسى المدني ثنا أسامة بن زيد به . ثم قال : هذا حديث أسنده أسامة بن زيد ، وتابعه يونس ، ورواه ابن أبي ذئب ، وغيره عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه موقوفا على عبد الرحمن ، ولو ثبت مرفوعا لكان خروج النبي عليه السلام حين خرج فصام حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر ، وأمر الناس بالفطر دليلا على نسخ هذا الحديث ، لأنه يؤخذ بالآخر ، والآخر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري ، ومسلم عن ابن عباس ، قال : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان حتى بلغ الكديد ، ثم أفطره } ، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ، قال الزهري : وكان الفطر آخر الأمرين ، زاد مسلم . قال الزهري : { فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان }انتهى .

وفي لفظ للبخاري : { فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر } ، وذكره ابن القطان في " كتابه " من جهة البزار ، ثم قال : هكذا قال عبد الله بن عيسى المدني ، وقال غيره : عبد الله بن موسى التيمي ، وهو أشبه بالصواب ، وهو عبد الله بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي ، يروي عن أسامة بن زيد ، وهو لا بأس به انتهى .

ورواه ابن عدي في " الكامل " من حديث يزيد بن هارون ثنا يزيد بن عياض عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه مرفوعا ، قال ابن عدي : وهذا الحديث لا يرفعه عن الزهري غير يزيد بن عياض ، وعقيل من رواية سلامة بن روح عنه ، ويونس بن يزيد من رواية القاسم بن مبرور عنه ، وأسامة بن زيد من رواية عبد الله بن موسى التيمي عنه ، والباقون من أصحاب الزهري ، رووه عنه عن أبي سلمة عن أبيه من قوله انتهى كلامه . وقال ابن أبي حاتم في " علله " : قال أبو حاتم : الصحيح عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا انتهى .

قلت : وفي سماع أبي سلمة من أبيه نظر ، وفي كلام ابن القطان ما يدل على عدم سماعه منه فإنه قال في حديث أخرجه النسائي في " الصوم " عن النضر بن شيبان ، قال : قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن : حدثني عن شيء سمعته من أبيك ، سمعه أبوك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بين أبيك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد في شهر رمضان ، قال نعم : حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رمضان ، ففضله على الشهور ، وقال : { من صام رمضان إيمانا واحتسابا [ ص: 29 ] خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه }انتهى .

قال النسائي : هذا غلط ، والصواب ما ذكرناه يعني حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحوه ، وهكذا نقل ابن القطان عن البخاري أنه قال : حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أصح ، لما سئل عن حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : ولم يتعرض البخاري للانقطاع ، قال ابن القطان : ولولا ضعف النضر بن شيبان الحراني وكان ثقة لثبت سماع أبي سلمة من أبيه ، فجملة أحاديث يرويها عنه معنعنة ، لكنه ليس بثقة ، قال ابن أبي خيثمة : سئل ابن معين عنه ، فقال : ليس حديثه بشيء انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث