الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد

[ ص: 489 ]

الموازنة بين المعنى المتحد، واللفظ المتعدد

569- واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد، وفي الأشعار التي دونوها في هذا المعنى . ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب، وتدبروا ما فيها حق التدبر لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم .

الشاعران يقولان في معنى واحد وهو قسمان

وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد . وهو ينقسم قسمين :

قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب .

وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور .

القسم الأول أحدهما غفل والآخر مصور

571 - وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا، وفي الآخر مصورا مصنوعا، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما لأن هدي متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم.

ومثال ذلك قول المتنبي :


بئس الليالي سهدت من طربي شوقا إلى من يبيت يرقدها



[ ص: 490 ]

مع قول البحتري :


ليل يصادفني ومرهفة الحشا     ضدين أسهره لها وتنامه



وقول البحتري :


ولو ملكت زماعا ظل يجذبني     قودا لكان ندى كفيك من عقلي



مع قول المتنبي :


وقيدت نفسي في ذراك محبة     ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا



وقول المتنبي :


إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض     ومن فوقها والبأس والكرم المحض



مع قول البحتري :


ظللنا نعود الجود من وعكك الذي     وجدت وقلنا : اعتل عضو من المجد



وقول المتنبي :


يعطيك مبتدرا فإن أعجلته     أعطاك معتذرا كمن قد أجرما



مع قول أبي تمام :


أخو عزمات فعله فعل محسن     إلينا ولكن عذره عذر مذنب



[ ص: 491 ]

وقول المتنبي :


كريم متى استوهبت ما أنت راكب     وقد لقحت حرب فإنك نازل



مع قول البحتري :


ماض على عزمه في الجود لو وهب الشباب     يوم لقاء البيض ما ندما



وقول المتنبي :


والذي يشهد الوغى ساكن القلب     كأن القتال فيها ذمام



مع قول البحتري :


لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم     على أن ذاك الزي زي محارب



وقول أبي تمام :


الصبح مشهور بغير دلائل     من غيره ابتغيت ولا أعلام



مع قول المتنبي :


وليس يصح في الأفهام شيء     إذا احتاج النهار إلى دليل



وقول أبي تمام :


وفي شرف الحديث دليل صدق     لمختبر على الشرف القديم



مع قول المتنبي :


أفعاله نسب لو لم يقل معها     جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن



وقول البحتري :


وأحب آفاق البلاد إلى الفتى     أرض ينال بها كريم المطلب



[ ص: 492 ]

مع قول المتنبي :


وكل امرئ يولي الجميل محبب     وكل مكان ينبت العز طيب



وقول المتنبي :


يقر له بالفضل من لا يوده     ويقضي له بالسعد من لا ينجم



مع قول البحتري :


لا أدعي لأبي العلاء فضيلة     حتى يسلمها إليه عداه



وقول خالد الكاتب :


رقدت ولم ترث للساهر     وليل المحب بلا آخر



مع قول بشار :


لخدك من كفيك في كل ليلة     إلى أن ترى ضوء الصباح وساد


تبيت تراعي الليل ترجو نفاده     وليس لليل العاشقين نفاد



وقول أبي تمام :


ثوى بالمشرقين لهم ضجاج     أطار قلوب أهل المغربين



وقول البحتري :


تناذر أهل الشرق منه وقائعا     أطاع لها العاصون في بلد الغرب



[ ص: 493 ]

مع قول مسلم :


لما نزلت على أدنى ديارهم     ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد



وقول محمد بن بشير :


افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا     فلو فرغت لكنت الدهر مبذولا



مع قول أبي علي البصير :


فقل لسعيد أسعد الله جده :     لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل


فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما     تناط بك الآمال ما اتصل الشغل



وقول البحتري :


من غادة منعت وتمنع وصلها     فلو أنها بذلت لنا لم تبذل



مع قول ابن الرومي :


ومن البلية أنني     علقت ممنوعا منوعا



وقول أبي تمام :


لئن كان ذنبي أن أحسن مطلبي     أساء ففي سوء القضاء لي العذر



[ ص: 494 ]

مع قول البحتري :


إذا محاسني اللاتي أدل بها     كانت ذنوبي فقل لي : كيف أعتذر



وقول أبي تمام :


قد يقدم العير من ذعر على الأسد



مع قول البحتري :


فجاء مجيء العير قادته حيرة     إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره



وقول معن بن أوس :


إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد     إليه بوجه آخر الدهر تقبل



مع قول العباس بن الأحنف :


نقل الجبال الرواسي من أماكنها     أخف من رد قلب حين ينصرف



وقول أمية بن أبي الصلت :


عطاؤك زين لامرئ إن أصبته     بخير وما كل العطاء يزين !



مع قول أبي تمام :


تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت     كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا


ما زلت منتظرا أعجوبة عننا     حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا



[ ص: 495 ]

وقول جرير :


بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا     بأسهم أعداء وهن صديق



مع قول أبي نواس :


إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت     له عن عدو في ثياب صديق



وقول كثير :


إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا     أبينا وقلنا : الحاجبية أول



مع قول أبي تمام :


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول



وقول المتنبي :


وعند من اليوم الوفاء لصاحب     شبيب وأوفى من ترى أخوان



مع قول أبي تمام :


فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها     سجية نفس كل غانية هند



وقول البحتري :


فلم أر في رنق الصرى لي موردا     فحاولت ورد النيل عند احتفاله



[ ص: 496 ]

مع قول المتنبي :


قواصد كافور توارك غيره     ومن قصد البحر استقل السواقيا



وقول المتنبي :


كأنما يولد الندى معهم     لا صغر عاذر ولا هرم



مع قول البحتري :


عريقون في الإفضال يؤتنف الندى     لناشئهم من حيث يؤتنف العمر



وقول البحتري :


فلا تغلين بالسيف كل غلائه     ليمضي فإن الكف لا السيف تقطع



مع قول المتنبي :


إذا الهند سوت بين سيفي كريهة     فسيفك في كف تزيل التساويا



وقول البحتري :


ساموك من حسد فأفضل منهم     غير الجواد وجاد غير المفضل


فبذلت فينا ما بذلت سماحة     وتكرما وبذلت ما لم تبذل



مع قول أبي تمام :


أرى الناس منهاج الندى بعدما عفت     مهايعه المثلى ومحت لواحبه


ففي كل نجد في البلاد وغائر     مواهب ليست منه وهي مواهبه



وقول المتنبي :


بيضاء تطمع فيما تحت حلتها     وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا



[ ص: 497 ]

مع قول البحتري :


تبدو بعطفة مطمع حتى إذا     شغل الخلي ثنت بصدفة مؤيس



وقول المتنبي :


إذكار مثلك ترك إذكاري له     إذ لا تريد لما أريد مترجما



مع قول أبي تمام :


وإذا المجد كان عوني على المرء     تقاضيته بترك التقاضي



وقول أبي تمام :


فنعمت من شمس إذا حجبت بدت     من خدرها فكأنها لم تحجب



مع قول قيس بن الخطيم :


قضى لها الله حين صورها الخالق     أن لا يكنها سدف



وقول المتنبي :


راميات بأسهم ريشها الهدب     تشق القلوب قبل الجلود



مع قول كثير :


رمتني بسهم ريشه الكحل لم يجز     ظواهر جلدي وهو في القلب جارح



وقول بعض شعراء الجاهلية ويعزى إلى لبيد :

[ ص: 498 ]


ودعوت ربي بالسلامة جاهدا     ليصحني فإذا السلامة داء



مع قول أبي العتاهية :


أسرع في نقص امرئ تمامه     تدبر في إقبالها أيامه



وقوله :


أقلل زيارتك الحبيب     تكون كالثوب استجده


إن الصديق يمله     أن لا يزال يراك عنده



مع قول أبي تمام :


وطول مقام المرء في الحي مخلق     لديباجتيه فاغترب تتجدد



وقول الخريمي :


زاد معروفك عندي عظما     أنه عندك محقور صغير


تتناساه كأن لم تأته     وهو عند الناس مشهور كبير



مع قول المتنبي :


تظن من فقدك اعتدادهم     أنهم أنعموا وما علموا



[ ص: 499 ]

وقول البحتري :


ألم تر للنوائب كيف تسمو     إلى أهل النوافل والفضول



مع قول المتنبي :


أفاضل الناس أغراض لذا الزمن     يخلو من الهم أخلاهم من الفطن



وقول المتنبي :


تذلل لها واخضع على القرب والنوى     فما عاشق من لا يذل ويخضع



مع قول بعض المحدثين :


كن إذا أحببت عبدا     للذي تهوى مطيعا


لن تنال الوصل حتى     تلزم النفس الخضوعا



وقول مضرس بن ربعي :


لعمرك إني بالخليل الذي له     علي دلال واجب لمفجع


وإني بالمولى الذي ليس نافعي     ولا ضائري فقدانه لممتع



مع قول المتنبي :


أما تغلط الأيام في بأن أرى     بغيضا ثنائي أو حبيبا تقرب



وقول المتنبي :


مظلومة القد في تشبيهه غصنا     مظلومة الريق في تشبيهه ضربا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث