الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يرفع حكم النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

ومنها ردة أحد الزوجين ; لأن الردة بمنزلة الموت ; لأنها سبب مفض إليه ، والميت لا يكون محلا للنكاح ، ولهذا لم يجز نكاح المرتد لأحد في الابتداء ، فكذا في حال البقاء ; ولأنه لا عصمة مع الردة ، وملك النكاح لا يبقى مع زوال العصمة غير أن ردة المرأة تكون فرقة بغير طلاق بلا خلاف .

وأما ردة الرجل ، فهي فرقة بغير طلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف .

وعند محمد فرقة بطلاق ( وجه ) قوله ظاهر ; لأن الأصل أن الفرقة إذا حصلت بمعنى من قبل الزوج ، وأمكن أن تجعل طلاقا تجعل طلاقا ; لأن الأصل في الفرقة هو فرقة الطلاق ، وأصل أبي يوسف ما ذكرنا أنه فرقة حصلت بسبب يشترك فيه الزوجان ; لأن الردة من كل واحد منهما سبب لثبوت الفرقة ، ثم الثابت بردتها فرقة بغير طلاق كذا بردته ، ولأبي حنيفة أن هذه الفرقة ، وإن كانت بسبب وجد من الرجل ، وهو ردته إلا أنه لا يمكن أن تجعل الردة طلاقا ; لأنها بمنزلة الموت ، وفرقة الموت لا تكون طلاقا ; لأن الطلاق تصرف يختص بما يستفاد بالنكاح ، والفرقة الحاصلة بالردة فرقة واقعة بطريق التنافي ; لأن الردة تنافي عصمة الملك ، وما كان طريقه التنافي لا يستفاد بملك النكاح ، فلا يكون طلاقا بخلاف الفرقة الحاصلة بإباء الزوج ; لأنها تثبت بفوات مقاصد النكاح وثمراته ، وذلك مضاف إلى الزوج ، فيلزمه الإمساك بالمعروف ، وإلا التسريح بالإحسان ، فإذا امتنع عنه ألزمه القاضي الطلاق الذي يحصل به التسريح بالإحسان كأنه طلق بنفسه ، والدليل على التفرقة بينهما أن فرقة الإباء لا تحصل إلا بالقضاء ، وفرقة الردة تثبت بنفس الردة ليعلم أن ثبوتها بطريق التنافي ، ثم الفرقة بردة أحد الزوجين تثبت بنفس الردة ، فتثبت في الحال عندنا .

وعند الشافعي إن كان قبل الدخول ، فكذلك ، وإن كان بعد الدخول تتأجل الفرقة إلى مضي ثلاث حيض ، وهو على الاختلاف في إسلام أحد الزوجين هذا إذا ارتد أحد الزوجين .

فأما إذا ارتدا معا لا تقع الفرقة بينهما استحسانا حتى لو أسلما معا ، فهما على نكاحهما ، والقياس أن تقع الفرقة ، وهو قول زفر .

وجه القياس أنه لو ارتد أحدهما لوقعت الفرقة [ ص: 338 ] فكذا إذا ارتدا ; لأن في ردتهما ردة أحدهما ، وزيادة ، وللاستحسان إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فإنالعرب لما ارتدت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم أسلموا لم يفرق بينهم ، وبين نسائهم ، وكان ذلك بم حضر من الصحابة رضي الله عنهم ، فإن قيل بم يعلم هناك أنهم ارتدوا ، وأسلموا معا ؟ فالجواب أنه لما لم يفرق بينهم وبين نسائهم فيما لم يعلم القران بل احتمل التقدم والتأخر في الردة ، والإسلام ففيما علم أولى أن لا يفرق ، ثم نقول الأصل في كل أمرين حادثين إذا لم يعلم تاريخ ما بينهما أن يحكم بوقوعهما معا كالغرقى ، والحرقى والهدمى ولو تزوج مسلم كتابية يهودية أو نصرانية ، فتمجست تثبت الفرقة ; لأن المجوسية لا تصلح لنكاح المسلم ألا ترى أنه لا يجوز له نكاحها ابتداء ، ثم إن كان ذلك قبل الدخول بها ، فلا مهر لها ، ولا نفقة ; لأنها فرقة بغير طلاق ، فكانت فسخا ، وإن كان بعد الدخول بها ، فلها المهر لما بينا فيما تقدم ، ولا نفقة لها ; لأن الفرقة جاءت من قبلها ، والأصل أن الفرقة إذا جاءت من قبلها ، فإن كان قبل الدخول بها ; فلا نفقة لها ولا مهر ، وإن جاءت من قبله قبل الدخول ; يجب نصف المسمى إن كان المهر سمي ، وإن لم يكن ; تجب المتعة ، وبعد الدخول يجب كل المهر ، والنفقة .

ولو كانت يهودية ; فتنصرت أو نصرانية ; فتهودت لم تثبت الفرقة ، ولم يعترض عليه عندنا .

وقال الشافعي : لا يمكن من القرار عليه ، ولكن تجبر على أن تسلم أو تعود إلى دينها الأول ، فإن لم تفعل حتى مضت ثلاث حيض ، وقعت الفرقة كما في المرتد ( وجه ) قوله أنها كانت مقرة بأن الدين الذي انتقلت إليه باطل ، فكان ترك الاعتراض تقريرا على الباطل ، وأنه لا يجوز .

( ولنا ) أنها انتقلت من باطل إلى باطل ، والجبر على العود إلى الباطل باطل ، ولو كانت يهودية أو نصرانية ; فصبأت لم تثبت الفرقة في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ، ومحمد تثبت الفرقة بناء على أنه يجوز للمسلم نكاح الصابئية عنده ، وعندهما لا يجوز ، والمسألة مرت في موضعها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث