الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا

المسألة السابعة : في الفرق بين الكرامات والاستدراج ، اعلم أن من أراد شيئا فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيها عند الله تعالى ، سواء كانت العطية على وفق العادة أو لم تكن على وفق العادة ، بل قد يكون ذلك إكراما للعبد ، وقد يكون استدراجا له ، ولهذا الاستدراج أسماء كثيرة من القرآن :

أحدها : الاستدراج قال الله تعالى : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) ( القلم : 44 ) ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده ، فيزداد كل يوم بعدا من الله وتحقيقه : أنه ثبت في العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة ، فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ، ثم أعطاه الله مراده ، فحينئذ يصل الطالب إلى المطلوب ، وذلك يوجب حصول اللذة ، وحصول اللذة يزيد في الميل ، وحصول الميل يوجب مزيد السعي ، ولا يزال يتأدى كل واحد منهما إلى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين الحالتين درجة فدرجة ، ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن مقامات المكاشفات ودرجات المعارف ، فلا جرم يزداد بعده عن الله درجة فدرجة إلى أن يتكامل ، فهذا هو الاستدراج .

وثانيها : المكر قال تعالى : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ( الأعراف : 99 ) ، ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) ( آل عمران : 54 ) وقال : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) ( النمل : 50 ) .

وثالثها : الكيد قال تعالى : ( يخادعون الله وهو خادعهم ) ( النساء : 142 ) وقال : ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ) ( البقرة : 9 ) .

ورابعها : الإملاء ، قال تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) ( آل [ ص: 80 ] عمران : 178 ) .

وخامسها : الإهلاك قال تعالى : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم ) ( الأنعام : 44 ) وقال في فرعون : ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) ( القصص : 40 ) فظهر بهذه الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات ، بقي علينا أن نذكر الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات ، فنقول : إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد ، وحذره من قهر الله أقوى ، فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج ، وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ، ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة ؛ لأنه كان مستحقا لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ، ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة ، فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة ، فلهذا المعنى قال المحققون : أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات ، كما يخافون من أنواع البلاء ، والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه :

الحجة الأولى : أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذه الكرامة ؛ لأن بتقدير أن لا يكون مستحقا لها امتنع حصول الفرح بها ، بل يجب أن يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكبر من فرحه بنفسه ، فثبت أن الفرح بالكرامة أكثر من فرحه بنفسه ، وثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ومستحق لها ، وهذا عين الجهل ؛ لأن الملائكة قالوا : ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) ( البقرة : 32 ) وقال تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره ) ( الأنعام : 91 ) وأيضا قد ثبت بالبرهان اليقيني أنه لا حق لأحد من الخلق على الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق .

الحجة الثانية : أن الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه ، فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق ، والفرح بغير الحق حجاب عن الحق ، والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور ؟

الحجة الثالثة : أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ، ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلا ، ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير ، وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور ، وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل ، رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ( فاطر : 10 ) فقال : علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقي ( ذكره ) عندك ، فإن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع ، وإن لم يبق معك فهو مرفوع مقبول .

الحجة الرابعة : أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتواضع في حضرة الله ، فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات ، فهذا طريق ثبوته يؤديه إلى عدمه ، فكان مردودا ، ولهذا المعنى لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- مناقب نفسه وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ، ولا فخر ، يعني لا أفتخر بهذه الكرامات ، وإنما أفتخر بالمكرم والمعطي .

الحجة الخامسة : أن ظاهر الكرامات في حق إبليس وفي حق بلعام كان عظيما ثم قيل لإبليس : وكان من الكافرين ، وقيل لبلعام : فمثله كمثل الكلب ، وقيل لعلماء بني إسرائيل : [ ص: 81 ] ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) ( الجمعة : 5 ) وقيل أيضا في حقهم : ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ( آل عمران : 19 ) فبين أن وقوعهم في الظلمات والضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد .

الحجة السادسة : أن الكرامة غير المكرم ، وكل ما هو غير المكرم ، فهو ذليل وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل ، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه : أما إليك فلا ، فالاستغناء بالفقير فقر ، والتقوي بالعاجز عجز ، والاستكمال بالناقص نقصان ، والفرح بالمحدث بله ، والإقبال بالكلية على الحق خلاص ، فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته ، أما إذا كان لا يشاهد في الكرامات إلا المكرم ، ولا في الإعزاز إلا المعز ، ولا في الخلق إلا الخالق ، فهناك يحق الوصول .

الحجة السابعة : أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون ، قال إبليس : ( أنا خير منه ) ( الأعراف : 12 ) وقال فرعون : ( أليس لي ملك مصر ) ( الزخرف : 51 ) وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب ، فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ، ولهذا قال عليه السلام : "ثلاث مهلكات ، وختمها بقوله : وإعجاب المرء بنفسه" .

الحجة الثامنة : أنه تعالى قال : ( فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) ( الأعراف : 144 ) ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ( الحجر : 99 ) فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطي لا بالفرح بالعطية .

الحجة التاسعة : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خيره الله بين أن يكون ملكا نبيا ، وبين أن يكون عبدا نبيا ترك الملك ، ولا شك أن وجدان الملك الذي يعم المشرق والمغرب من الكرامات ، بل من المعجزات ، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- ترك ذلك الملك واختار العبودية ؛ لأنه إذا كان عبدا كان افتخاره بمولاه ، وإذا كان ملكا كان افتخاره بعبيده ، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي في التحيات التي رواها ابن مسعود "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" ، وقيل في المعراج : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ( الإسراء : 1 ) .

الحجة العاشرة : أن محب المولى غير ، ومحب ما للمولى غير ، فمن أحب المولى لم يفرح بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى ، فالاستئناس بغير المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان محبا للمولى ، بل كان محبا لنصيب نفسه ، ونصيب النفس إنما يطلب للنفس ، فهذا الشخص ما أحب إلا نفسه ، وما كان المولى محبوبا له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب . والصنم الأكبر هو النفس كما قال تعالى : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ( الجاثية : 23 ) فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر حتى أن المحققين قالوا : لا مضرة في عبادة شيء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة في عبادة النفس ، ولا خوف من عبادة الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات .

الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وهذا يدل على أن من لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم يحصل له شيء [ ص: 82 ] من هذه الأفعال والأحوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث