الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثامنة : في أن الولي هل يعرف كونه وليا ؟ قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : لا يجوز ، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق ، وتلميذه أبو القاسم القشيري : يجوز ، وحجة المانعين وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الأولى : لو عرف الرجل كونه وليا لحصل له الأمن ، بدليل قوله تعالى : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( يونس : 62 ) لكن حصول الأمن غير جائز ويدل عليه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : قوله تعالى : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ( الأعراف : 99 ) واليأس أيضا غير جائز لقوله تعالى : ( إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ( يوسف : 87 ) ولقوله تعالى : ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) ( الحجر : 56 ) والمعنى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز ، واليأس لا يحصل إلا عند اعتقاد البخل ، واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر ، فلا جرم كان حصول الأمن والقنوط كفرا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر الحق أعظم ، ومع كون القهر غالبا لا يحصل الأمن .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن الأمن يقتضي زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة ، والأمن يقتضي ترك الخوف .

                                                                                                                                                                                                                                            الرابع : أنه تعالى وصف المخلصين بقوله : ( ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) قيل : رغبا في ثوابنا ورهبا من عقابنا ، وقيل : رغبا في فضلنا ، ورهبا من عدلنا ، وقيل : رغبا في وصالنا ، ورهبا من فراقنا . والأحسن أن يقال : رغبا فينا ، ورهبا منا .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثانية : -على أن الولي لا يعرف كونه وليا- أن الولي إنما يصير وليا لأجل أن الحق يحبه ، لا لأجل أنه يحب الحق ، وكذلك القول في العدو ، ثم إن محبة الحق وعداوته سران لا يطلع عليهما أحد ، فطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته ؛ لأن الطاعات والمعاصي محدثة ، وصفات الحق قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يصير غالبا للقديم غير المتناهي ، وعلى هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلا أن نصيبه من الأزل عين المحبة ، وربما كان العبد في الحال في عين الطاعة ، ولكن نصيبه من الأزل عين العداوة ، وتمام التحقيق : أن محبته وعداوته صفة ، وصفة الحق غير معللة ، ومن كانت محبته لا لعلة ، فإنه يمتنع أن يصير عدوا بعلة المعصية ، ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محبا لعلة الطاعة ، ولما كانت محبة الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما ، لا جرم قال عيسى عليه السلام : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ) ( المائدة : 116 )

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثالثة : -على أن الولي لا يعرف كونه وليا- أن الحكم بكونه وليا وبكونه من أهل الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة ، والدليل عليه قوله تعالى : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) ( الأنعام : 160 ) ولم يقل من عمل حسنة فله عشر أمثالها ، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل ، والذي يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد ، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لا بأول العمل ، ولهذا قال تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ( الأنفال : 38 ) فثبت أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو من أهل العقاب بالخاتمة ، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد ، فوجب القطع بأن الولي لا يعلم كونه وليا ، أما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه وليا ، فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الولاية لها ركنان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : كونه في الظاهر منقادا للشريعة .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : كونه في الباطن مستغرقا في نور الحقيقة ، فإذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولهما [ ص: 83 ] عرف لا محالة كونه وليا ، أما الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر ، وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله ، وأن لا يكون له استقرار مع شيء سوى الله .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : أن تداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر ، والتجربة خطر ، والجزم غرور ، ودون الوصول إلى عالم الربوبية أستار ، تارة من النيران ، وأخرى من الأنوار ، والله العالم بحقائق الأسرار ، ولنرجع إلى التفسير .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية