الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا وجد بعض الميت غسل وصلي عليه

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه ; لأن عمر رضي الله عنه صلى على عظام بالشام ، وصلى أبو عبيدة على رءوس ، وصلت الصحابة رضي الله عنهم على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل ) .

التالي السابق


( الشرح ) أبو عبيدة رضي الله عنه هذا هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح ، وعتاب بفتح العين المهملة وأسيد بفتح الهمزة ، وهذه الحكاية عن يد عبد الرحمن رويناها في كتاب الأنساب للزبير بن بكار ، قال : وكان الطائر نسرا وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين ، واتفقت نصوص الشافعي رحمه الله والأصحاب على أنه إذا وجد بعض من تيقنا موته غسل وصلي عليه ، وبه قال أحمد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يصلى عليه إلا إذا وجد أكثر من نصفه ، وعندنا لا فرق بين القليل والكثير ، قال أصحابنا رحمهم الله : وإنما نصلي عليه إذا تيقنا موته .

فأما إذا قطع عضو من حي ، كيد سارق ، وجان وغير ذلك فلا يصلى عليه ، وكذا لو شككنا في العضو هل هو منفصل من حي أو ميت ؟ لم نصل عليه ، هذا هو المذهب الصحيح ، وبه قطع الأصحاب في كل الطرق إلا صاحب الحاوي ومن أخذ عنه ، فإنه ذكر في العضو المقطوع من الحي وجهين : في وجوب غسله والصلاة عليه : ( أحدهما ) : يغسل ويصلى عليه كعضو الميت ( وأصحهما ) : لا يغسل ولا يصلى عليه ، ونقل المتولي رحمه الله الاتفاق على أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ، فقال : لا خلاف أن اليد المقطوعة في السرقة والقصاص لا تغسل ولا يصلى عليها ، ولكن تلف في خرقة وتدفن ، وكذا الأظفار المقلومة والشعر المأخوذ من الأحياء لا يصلى على شيء منها ، لكن يستحب دفنها ، قال : وكذا إذا شككنا في موت صاحب العضو فلا يغسل ولا يصلى عليه ، وهذا الذي سبق في الصلاة على بعض الذي تيقنا موته هو في العضو . [ ص: 213 ]

أما إذا وجدنا شعر الميت أو ظفره أو نحوهما فوجهان مشهوران : حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي وصاحب الشامل والتتمة وصاحب البيان وآخرون ، وأشار إليهما المصنف في تعليقه في الخلاف .

( أحدهما ) : وهو الذي رجحه البندنيجي رحمه الله لا يغسل ولا يصلى عليه ، بل يدفن ( وأصحهما ) : وبه قال الأكثرون يغسل ، ويصلى عليه كالعضو ; لأنه جزء ، قال الرافعي رحمه الله : هذا الثاني أقرب إلى كلام الأكثرين قال : لكن قال صاحب العدة رحمه الله : إن لم يوجد إلا شعرة واحدة لم يصل عليها في ظاهر المذهب ، قال القاضي أبو الطيب رحمه الله : ولو قطعت أذنه فألصقها موضعها في حرارة الدم ثم افترسه سبع ووجدنا أذنه لم نصل عليه ; لأن انفصالها كان في الحياة هذا كلام القاضي رحمه الله ، ويجيء فيها الوجه السابق عن الحاوي ، قال أصحابنا رحمهم الله : ومتى صلى في هذه الصور فلا بد من تقدم غسله ، ثم يوارى بخرقة ويصلى عليه ويدفن . قال أصحابنا رحمهم الله : والدفن لا يختص بعضو من علم موته ، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو وشعر وظفر وغيرهما من الأجزاء ، يستحب دفنه وكذلك توارى العلقة والمضغة تلقيهما المرأة ، وكذا يوارى دم الفصد والحجامة قال أصحابنا رحمهم الله : ولو وجد بعض الميت أو كله ولم نعلم أنه مسلم أم كافر ، فإن كان في دار الإسلام غسل وصلي عليه ; لأن الغالب فيها المسلمون كما حكمنا بإسلام اللقيط فيها ، وممن صرح بالمسألة الشيخ أبو حامد والمحاملي في التجريد في آخر باب الشهيد ، وابن الصباغ والمتولي وآخرون . قال أصحابنا رحمهم الله : ومتى صلى على عضو الميت نوى الصلاة على جملة الميت لا على العضو وحده ، هذا هو المشهور ، وممن صرح به الروياني والرافعي وذكر صاحب الحاوي وجهين :

( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : يصلى على العضو خاصة قال : والوجهان : فيما إذا لم يعلم جملته صلى عليها ، فإن علم ذلك صلى على العضو وحده وجها واحدا ، وهذا الذي قاله شاذ ضعيف ، والله أعلم . [ ص: 214 ] في مذاهب العلماء فيما إذا وجد بعض الميت قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصلى عليه سواء قل البعض أم كثر ، وبه قال أحمد رحمه الله ، وقال داود : لا يصلى عليه مطلقا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : أن وجد أكثر من نصفه غسل وصلي عليه وإن وجد النصف فلا غسل ولا صلاة ، قال مالك رحمه الله : بل لا يصلى على اليسير منه . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث