الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة دليل من قال إن المصة الواحدة أو الرضعة الواحدة تحرم

جزء التالي صفحة
السابق

وسئل رحمه الله تعالى عن طفل ارتضع من امرأة مع ولدها رضعة أو بعض رضعة ثم تزوجت برجل آخر فرزقت منه ابنة : فهل يحل للطفل المرتضع تزويج الابنة على هذه الصورة أم لا ؟ وما دليل مالك - رحمه الله - وأبي حنيفة في أن " المصة الواحدة " أو " الرضعة الواحدة " تحرم ; مع ما ورد من الأحاديث التي خرجها مسلم في صحيحه : منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تحرم المصة ولا المصتان } " ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان } " ومنها " { أن رجلا من بني عامر بن صعصعة قال يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال : لا } " ومنها عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : { كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن } وما حجتهما مع هذه الأحاديث الصحيحة .

[ ص: 42 ]

التالي السابق


[ ص: 42 ] فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع مشهور في مذهب الشافعي . وأحمد في المشهور عنه لا يحرم إلا خمس رضعات ; لحديث عائشة المذكور وحديث سالم مولى أبي حذيفة لما { أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن أبي ربيعة أن ترضعه خمس رضعات } وهو في الصحيح أيضا فيكون ما دون ذلك لم يحرم فيحتاج إلى خمس رضعات . وقيل يحرم الثلاث فصاعدا وهو قول " طائفة " منهم أبو ثور وغيره وهو رواية عن أحمد . واحتجوا بما في الصحيح : { لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان } " قالوا : مفهومه أن الثلاث تحرم ولم يحتج هؤلاء بحديث عائشة . قالوا : لأنه لم يثبت أنه قرآن إلا بالتواتر وليس هذا بمتواتر . فقال لهم الأولون : معنا حديثان صحيحان مثبتان .

أحدهما يتضمن شيئين حكما وكونه قرآنا . فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة . وأما ما فيه من كونه قرآنا فهذا لم نثبته ولم نتصور أن ذلك قرآن ; إنما نسخ رسمه وبقي حكمه . فقال أولئك : هذا تناقض وقراءة شاذة عند الشافعي ; فإن عنده أن القراءة الشاذة لا يجوز الاستدلال بها ; لأنها لم تثبت بالتواتر كقراءة [ ص: 43 ] ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات . وأجابوا عن ذلك بجوابين : " أحدهما " أن هذا فيه حديث آخر صحيح وأيضا فلم يثبت أنه بقي قرآن لكن بقي حكمه . و " الثاني " أن هذا الأصل لا يقول به أكثر العلماء ; بل مذهب أبي حنيفة ; بل ذكر ابن عبد البر إجماع العلماء على أن القراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن الصحابة فإنه يجوز الاستدلال بها في الأحكام . و " القول الثاني " في المسألة أنه يحرم قليله وكثيره كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك ; وهي رواية ضعيفة عن أحمد . وهؤلاء احتجوا بظاهر قوله : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } وقال اسم " الرضاعة " في القرآن مطلق .

وأما الأحاديث فمنهم من لم تبلغه . ومنهم من اعتقد أنها ضعيفة . ومنهم من ظن أنها تخالف ظاهر القرآن واعتقد أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن وتقييد مطلقه بأخبار الآحاد . فقال " الأولون " : هذه أخبار صحيحة ثابتة عند أهل العلم بالحديث وكونها لم تبلغ بعض السلف لا يوجب ذلك ترك العمل بها عند من يعلم صحتها . وأما القرآن فإنه يحتمل أن يقال : فكما أنه قد علم بدليل آخر أن الرضاعة مقيدة بسن مخصوص فكذلك يعلم أنها مقيدة بقدر مخصوص . وهذا كما أنه علم بالسنة مقدار الفدية في قوله : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } وإن كان الخبر المروي خبرا واحدا ; بل كما ثبت بالسنة " { أنه لا تنكح المرأة على عمتها [ ص: 44 ] ولا تنكح المرأة على خالتها } وهو خبر واحد بظاهر القرآن ; واتفق الأئمة على العمل به . وكذلك فسر بالسنة المتواترة وغير المتواترة بحمل قوله { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }

. وفسر بالسنة المتواترة أمور من العبادات والكفارات والحدود : ما هو مطلق من القرآن . فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه .

والتقييد " بالخمس " له أصول كثيرة في الشريعة ; فإن الإسلام بني على خمس والصلوات المفروضات خمس وليس فيما دون خمس صدقة والأوقاص بين النصب خمس أو عشر أو خمس عشرة وأنواع البر خمس كما قال تعالى : { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } وقال في الكفر : { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } وأولو العزم ; وأمثال ذلك بقدر الرضاع المحرم ليس بغريب في أصول الشريعة . والرضاع إذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشز العظم فيصير نباته به كنباته من الأبوين ; وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ; ولهذا لم يحرم رضاع الكبير ; لأنه بمنزلة الطعام والشراب .

والرضعة والرضعتان ليس لها تأثير كما أنه قد يسقط اعتبارها كما يسقط اعتبار ما دون نصاب السرقة حتى لا تقطع الأيدي بشيء من التافه ; واعتباره في نصاب الزكاة فلا يجب فيها شيء إذا كان أقل . ولا بد من حد فاصل . فهذا هو [ ص: 45 ] التنبيه على مأخذ الأئمة في هذه المسألة . وبسط الكلام فيها يحتاج إلى ورقة أكبر من هذه ; وهي من أشهر مسائل النزاع . والنزاع فيها من زمان الصحابة والصحابة رضي الله عنهم تنازعوا في هذه المسألة والتابعون بعدهم . وأما إذا شك : هل دخل اللبن في جوف الصبي أو لم يحصل ؟ فهنا لا نحكم بالتحريم بلا ريب . وإن علم أنه حصل في فمه فإن حصول اللبن في الفم لا ينشر الحرمة باتفاق المسلمين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث