الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أنواع النجاسات

جزء التالي صفحة
السابق

( و ) ثانيهما ( جلد نجس بالموت ) مأكولا كان أم غيره ( فيطهر بدبغه ) أي باندباغه ولو بوقوعه بنفسه أو بإلقاء ريح أو نحو ذلك أو بإلقاء الدابغ عليه ولو بنحو ريح ( ظاهره وكذا باطنه على المشهور ) لما رواه مسلم { إذا دبغ الإهاب فقد طهر } وحديث { طهور كل أديم دباغه } رواه الدارقطني ، وورد في البخاري وغيره { هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به } .

قال الزركشي في الخادم : والمراد بباطنه ما بطن وبظاهره ما ظهر من وجهيه بدليل قولهم : إذا قلنا بطهارة ظاهره فقط جازت الصلاة عليه لا فيه ، فتنبه لذلك ، فقد رأيت من يغلط فيه .

ويؤخذ من طهارة باطنه به أنه لو نتف الشعر بعد دبغه صار موضعه متنجسا يطهر بغسله وهو كذلك ، والثاني يقول آلة الدباغ لا تصل إلى الباطن .

ورد بوصولها إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد وخرج بالجلد الشعر فلا يطهر به وإن ألقي في المدبغة وعمه الدابغ لأنه لا يؤثر فيه لكن يعفى عن قليله وإن قال الشيخ إنه يطهر تبعا وإن لم يتأثر بالدبغ ، لكن قوله كما يطهر دن الخمر وإن لم يكن فيه تخلل محل وقفة ، إذ يمكن الفرق بين الشعر والدن بأن الثاني محل ضرورة ، إذ لولا الحكم بطهارته لم يمكن طهارة خل أصلا بخلاف الأول لا ضرورة إلى القول بطهارته لإمكان الانتفاع به لا من جهة الشعر وخرج بنجس بالموت جلد المغلظة فلا يطهر بالدباغ ، إذ سبب نجاسة الميتة تعرضها للعفونة والحياة أبلغ في دفعها ، فإذا لم تفد الطهارة فالاندباغ أولى ( والدبغ نزع فضوله ) وهي مائيته ورطوبته المفسد له بقاؤها ، ويطيبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النتن ، وهو مراد من عبر بالفساد أو هو أعم ليشمل نحو شدة نحو تصلبه وسرعة نحو بلائه ، لكن [ ص: 251 ] في إطلاق ذلك نظر .

والأوجه أن ما عدا النتن إن قال خبيران إنه لفساد الدبغ ضر وإلا فلا ، لأنا نجد ما اتفق على إتقان دبغه يتأثر بالماء ، فلا ينبغي أن ينظر لمطلق التأثر به بل التأثر يدل على فساد الدبغ ولا يحصل ذلك إلا ( بحريف ) بكسر الحاء وتشديد الراء وهو ما يلذع اللسان بحرفته كشب وشث وقرظ وعفص ولو بنجس كذرق حمام وزبل لحصول الغرض به ( لا شمس وتراب ) وملح وكل ما لا ينزع الفضول وإن جف به الجلد وطابت رائحته لبقاء عفونته كامنة فيه بدليل أنه لو نقع في الماء عادت عفونته ( ولا يجب الماء في أثنائه ) أي الدبغ ( في الأصح ) بناء على أنه إحالة لا إزالة ولهذا جاز بالنجس المحصل لذلك ، وأما خبر { يطهرها الماء والقرظ } فمحمول على الندب أو الطهارة المطلقة ، وقول الأذرعي : ومن تبعه لا بد في الجاف من الماء ليصل الدواء به إلى سائر أجزائه ، مردود إذ القصد وصوله ولو بمائع غير الماء فلا خصوصية للماء ، إذ لا نظر إلى أن لطافته توصل الدواء إلى باطنه على وجه لا يوصله غيره ، لأن القصد الإحالة وهي حاصلة وإن لم يصل الدواء إلى باطنه على الوجه المذكور ، ومقابل الأصح يجب الماء تغليبا لمعنى الإزالة ( و ) يصير ( المدبوغ ) والمندبغ ( كثوب نجس ) أي متنجس لملاقاته للأدوية النجسة أو المتنجسة بملاقاتها قبل طهر عينه فلا يطهر إلا بغسله بإجراء الماء على ظاهر الجلد ، سواء أدبغ بطاهر أم نجس ثم يصلى فيه ويستعمله في مائع ، ويحرم أكله وإن كان أصل حيوانه مأكولا لخروج حيوانه بموته عن المأكول .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : جلد نجس بالموت ) قضيته أنه لو سلخ جلد حيوان وهو حي لم يطهر بالدبغ وليس مرادا .

وعليه فيمكن أن يجاب بأن التعبير بكونه نجسا بالموت جرى على الغالب أو أن المراد بالموت حقيقة أو حكما ، وذلك أن الجزء المنفصل من الحي كميتته ، فانفصاله مع الحياة بمنزلة انفصاله بعد الموت ( قوله : أديم ) أي جلد ( قوله : من وجهيه ) شامل لما إذا كان الدباغ ملاقيا للطبقة التي تلي اللحم دون الملاقي للشعر ، كما يفعل في دبغ الفراء بوضع نحو القرظ على الملاقي للحم دون غيره ويعالج حتى تزول عفونته ، فإن مقتضى كلام الزركشي على هذا طهارة الملاقي للشعر لأنه طاهر من وجهيه دون ما بين طبقتي الجلد وهو مشكل ، فإنه كيف يتصور وصول أثر الدباغ على هذا الوجه للملاقي للشعر دون غيره مما بين الطبقتين مع أنه لا يصل إلى الملاقي للشعر إلا بعد مجاورة ما بين الطبقتين ، وصوره البكري بما إذا وضع الدباغ على كل من وجهيه وعليه فلا إشكال ، لكن يرده ظاهر قول الشارح هنا : ويؤخذ من طهارة باطنه به أنه لو نتف الشعر بعد دبغه صار موضعه متنجسا ، فإنه صريح في أن موضع الشعر طهر بالدباغ ثم تنجس بملاقاته للشعر فإن الدباغ لم يؤثر فيه ( قوله : لا ضرورة ) قد تمنع الضرورة بأن يقال : يعفى عن ملاقاة الدن للخل مع نجاسة الدن للضرورة المذكورة ، ولا يلزم من النجاسة التنجيس ، فالفرق حينئذ فيه نظر سم على منهج ( قوله : ورطوبته ) عطف مغاير ( قوله : بقاؤها ) أي الفضول ( قوله : بلائه ) قال في المختار : بلي الثوب بالكسر بلى بالقصر ، فإن فتحت ياء المصدر مددته ا هـ .

وعليه فقوله : هنا بلائه [ ص: 251 ] يجوز فيه كسر الباء مع القصر وفتحها مع المد ( قوله : النتن ) أي أما هو فيضر مطلقا ( قوله : كشب وشث ) الأول بالموحدة والثاني بالمثلثة وهو شجر مر الطعم طيب الرائحة يدبغ به ، والأول من جواهر الأرض معروف يشبه الزاج ( قوله : وقول الأذرعي ) أي في غير الغنية ، أما فيها فقال : فلا بد من تليينه ولم يقل بالماء .

قال بعضهم : وهو الأولى وهو كما قال ا هـ قب ( قوله : سواء أدبغ ) قضيته أنه قبل الدبغ لا يكتفى بغسله ، وبه صرح حج حيث قال : فيجب غسله بماء طهور مع التتريب والتسبيع إن أصابه مغلظ ، وإن سبع وترب قبل الدبغ لأنه حينئذ لا يقبل الطهارة ا هـ .

وفيه ما مر عند قول المصنف : وميتة غير الآدمي والسمك إلخ ( قوله : عن المأكول ) علله حج بأنه انتقل عن طبع اللحوم إلى طبع الثياب وهو يفيد حرمة أكل الثياب أيضا .

أقول : لكن يرد عليه أن جلد المذكاة إذا دبغ يحل أكله مع أنه انتقل إلى طبع الثياب ، ولا يرد مثله على قول الشارح لخروج حيوانه بموته إلخ .

وقد يقال : إن جلد المذكاة لما كان قبل الدبغ مأكولا استصحب حاله قبل الدبغ ولا كذلك الثياب .



حاشية المغربي

[ ص: 250 ] قوله : وإن لم يكن فيه ) أي في ذات الدن ( قوله : أو هو ) أي الفساد [ ص: 251 ] قوله : كشب ) الشب بالموحدة من جواهر الأرض يشبه الزاج ، وبالمثلثة شجر معروف طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به أيضا ، قاله الدميري ( قوله : لخروج حيوانه بموته عن المأكول ) خرج به جلد المذكى ، وإن كان مدبوغا ، فإنه يجوز أكله كما قدمه في فصل الاستنجاء ومر ما فيه ، وربما توهم مناقضته لما هنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث