الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع البعد المانع من وصول نجاسة البالوعة إلى البئر

جزء التالي صفحة
السابق

( ويقدم التيمم على نبيذ التمر على المذهب ) المصحح المفتى به [ ص: 228 ] ; لأن المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به : ( و ) حكم ( عرق كسؤر ) فعرق الحمار إذا وقع في الماء صار مشكلا على المذهب كما في المستصفى . وفي المحيط : عرق الجلالة عفو في الثوب والبدن . وفي الخانية أنه طاهر على الظاهر .

التالي السابق


( قوله ويقدم التيمم على نبيذ التمر ) اعلم أنه روي في النبيذ عن الإمام ثلاث روايات : الأولى : وهي قوله الأول أنه يتوضأ به ويستحب أن يضيف إليه التيمم . الثانية : الجمع بينهما كسؤر الحمار ، وبه قال محمد ورجحه في غاية البيان . والثالثة : التيمم فقط ، وهو قوله الأخير ، وقد رجع إليه ، وبه قال أبو يوسف والأئمة الثلاثة واختاره الطحاوي ، وهو المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا بحر .

إذا علمت ذلك ظهر لك أن ظاهر كلام المصنف مبني على الرواية الثانية ، وبه تظهر مناسبة ذكره في بحث السؤر ، لكن ينافيه قوله على المذهب : فيتعين حمل قوله ويقدم إلخ على التقدم في الرتبة لا في الزمان : أي أن التيمم رتبته التقدم على الوضوء بالنبيذ ، فلا يقتصر على الوضوء به ، ولا يجمع بينهما مع سبق التيمم . قال في النهر : [ ص: 228 ] ومحل الخلاف ما إذا ألقى في الماء تميرات حتى صار حلوا رقيقا غير مطبوخ ولا مسكر ، فإن لم يحل فلا خلاف في جواز الوضوء به ، أو أسكر فلا خلاف في عدم الجواز ، أو طبخ فكذلك في الصحيح كما في المبسوط ورجح غيره الجواز ، إلا أن الأول أولى لموافقته لما مر من الضابط أي المذكور في المياه ( قوله ; لأن المجتهد إلخ ) علة لكون ما ذكر هو المذهب المفتى به دون غيره فافهم ( قوله وحكم عرق كسؤر ) أي العرق من كل حيوان حكمه كسؤره لتولد كل منهما من اللحم كذا قالوا : ولا خفاء أن المتولد هو اللعاب أي لا السؤر ، لكن أطلق عليه للمجاورة نهر ( قوله فعرق الحمار إلخ ) أفرده بالتنصيص عليه ; لأن بعضهم كصاحب المنية استثناه فقال : إلا أن عرق الحمار طاهر عند أبي حنيفة في الروايات المشهورة كما ذكره القدوري . وقال شمس الأئمة الحلواني : نجس إلا أنه جعل عفوا في الثوب والبدن للضرورة . قال في شرح المنية : وهذا الاستثناء إنما يصح على القول بأن الشك في الطهارة . فإذا قيل إن سؤر الحمار مشكوك في طهارته ونجاسته وعرق كل شيء كسؤره صح أن يقال إلا أن عرق الحمار طاهر : أي من غير شك ; لأنه صلى الله عليه وسلم ركب الحمار معروريا في حر الحجاز والغالب أنه يعرق ولم يرو أنه عليه الصلاة والسلام غسل بدنه أو ثوبه منه . ا هـ ومعروريا حال من الفاعل ولو كان من المفعول لقيل معرورى كذا في المغرب . قلت : وليس المعنى أنه عليه الصلاة والسلام ركب وهو عريان كما يوهمه كلام النهر وغيره ، إذ لا يخفى بعده ، بل المراد أنه ركب حال كونه معروريا الحمار فهو اسم فاعل من اعرورى المتعدي حذف مفعوله للعلم به ، يقال اعرورى الفرس : ركبه عريا فتنبه

( قوله صار مشكلا ) يعني صار الماء به مشكلا : أي في الطهورية ، فيجمع بينه وبين التيمم كما في لعابه ، ويجوز شربه من ذلك الماء كما في السراج ( قوله وفي المحيط إلخ ) هذا مأخوذ من القهستاني ونصه : وفي الزبدة أن عرق الجلالة كالحمار والبغل وغيرهما نجس . وفي قاضي خان أن عرقهما طاهر في ظاهر الرواية . وفي المحيط عن الحلواني نجس لكنه عفو في البدن والثوب . وعن أبي حنيفة أن عرق الحمار نجاسة غليظة ، وعنه أنه خفيفة . ا هـ كلام القهستاني .

وحاصله أنه ذكر في عرق الحمار والبغل ثلاث روايات عن الإمام كما صرح به في شرح المنية أنه طاهر ، وهو ما قال قاضي خان إنه ظاهر الرواية وهي الرواية المشهورة كما قدمناه عن المنية . ونجس مغلظ . ونجس مخفف ، وكلام الحلواني محتمل للأخيرتين إلا أنه أسقط حكم النجاسة في البدن والثوب ، وقدمنا عن المنية تعليله بالضرورة : أي ضرورة ركوبه .

إذا علمت ذلك ظهر لك أن الكلام في عرق الحمار والبغل لا في الجلالة ، وأن ضمير عرقهما في عبارة القهستاني عن قاضي خان ضمير مثنى راجع إلى البغل والحمار . والظاهر أن نسخة القهستاني التي وقعت للشارح بضمير المفرد لا المثنى فأرجع الضمير إلى الجلالة وليس كذلك . وقد راجعت عبارة قاضي خان فرأيتها بضمير التثنية العائد إلى ما ذكره قبله من البغل والحمار ، ولم أر فيها ذكر الجلالة أصلا ، وكذا ما نقله في المحيط عن الحلواني ليس في الجلالة بل في البغل والحمار ، بدليل ما قدمناه عن المنية من عبارة الحلواني ، وهو المتعين في عبارة القهستاني بعد ضمير التثنية وقد ذكرنا أحكام الجلالة عند قوله وإبل وبقر جلالة ، ونقلنا التصريح عن البقالي بأن عرقها [ ص: 229 ] نجس ، وبه صرح الشارح في مسائل شتى آخر الكتاب ، وهو محمول على التي أنتن لحمها كما قدمنا ، فاغتنم هذا التحرير الذي هو من منح العليم الخبير ، الحمد لله على نعمائه وتواتر آلائه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث