الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أجاز طلاق الثلاث لقول الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان

4960 8 - حدثنا سعيد بن عفير قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي ، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي ، وإنما معه مثل الهدبة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ! لا ، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته .

التالي السابق


مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله " فبت طلاقي " ; أي قطع قطعا كليا ، فاللفظ يحتمل أن يكون الثلاث دفعة واحدة وهو محل الترجمة ، أو متفرقة .

وسعيد بن عفير هو سعيد بن كثير بن عفير - بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالراء - المصري ، وروى مسلم عنه بواسطة .

قوله ( إن امرأة رفاعة ) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة ، ابن سموأل ، ويقال رفاعة بن رفاعة القرظي من بني قريظ ، واسم المرأة تميمة بنت وهب .

وروى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كانت امرأة من قريظ يقال لها تميمة بنت وهب تحت عبد الرحمن بن الزبير ، فطلقها فتزوجها رفاعة - رجل من بني قريظة - ثم فارقها ، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير ، فقالت : والله يا رسول الله ما هو منه إلا كهدبة الثوب ! فقال : والله يا تميمة لا ترجعين إلى عبد الرحمن حتى يذوق عسيلتك رجل غيره . وهذا المتن عكس متن الصحيح ، وإنما أوردناه هنا لأجل بيان اسم المرأة المذكورة .

قوله ( عبد الرحمن بن الزبير ) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة ، ابن باطيا القرظي .

قوله ( مثل الهدبة ) بضم الهاء وسكون الدال ، هدبة الثوب وهو طرفه مما يلي طرته ، ويقال لها هدابة الثوب .

قوله ( لا ) ; أي لا ترجعين .

قوله ( عسيلتك ) ، هي كناية عن الجماع ، والعسل ربما يؤنث في بعض اللغات فيصغر على عسيلة ، وروى أحمد في مسنده : حدثنا مروان ، أنبأنا أبو عبد الملك المكي ، حدثنا عبد الله بن [ ص: 236 ] أبي مليكة ، عن عائشة قالت : العسيلة هي الجماع . وأخرجه الدارقطني في سننه ، والمكي مجهول .

وفي التلويح : لفظ النكاح في جميع القرآن العظيم أريد به العقد لا الوطء ، إلا في قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره - فإنه أريد بلفظ النكاح العقد والوطء جميعا بدليل حديث العسيلة ، فإن العسيلة هنا الوطء . وفيه نظر ; لأن لفظ النكاح أسند إلى المرأة ، فلو أريد به الوطء لكان المعنى حتى تطأ زوجا غيره ، وهذا فاسد ; لأن المرأة موطوءة لا واطئة والرجل واطئ ، بل معناه أيضا العقد ، ووجب الوطء بحديث العسيلة فإنه خبر مشهور يجوز به الزيادة على النص ، وهذا لا خلاف فيه إلا لسعيد بن المسيب فإنه قال : العقد الصحيح كاف ويحصل به التحليل للزوج الأول . ولم يوافقه على هذا أحد إلا طائفة من الخوارج ، وذكر في كتاب القنية لأبي الرجاء مختار بن محمود الزاهدي أن سعيد بن المسيب رجع عن مذهبه هذا ، فلو قضى به قاض لا ينفذ قضاؤه ، وإن أفتى به أحد عزر . وقال الحسن البصري : الإنزال شرط ، لا تحل للأول حتى يطأها الثاني وطءا فيه إنزال . وزعم أن معنى العسيلة الإنزال ، وخالفه سائر الفقهاء فقالوا : التقاء الختانين يحلها للزوج الأول ، وهو ما يفسد الصوم والحج ويوجب الحد والغسل ويحصن الزوجين ويكمل الصداق . وقال ابن المنذر : لو أتاها الزوج الثاني وهي نائمة أو مغمى عليها لا تشعر - أنها لا تحل للزوج حتى يذوقان جميعا العسيلة ، إذ غير جائز أن يسوي - صلى الله عليه وسلم - بينهما في ذوق العسيلة وتحل بأن يذوق أحدهما .

وقال ابن بطال : اختلفوا في عقد نكاح المحلل ; فقال مالك : لا يحلها إلا بنكاح رغبة ، فإن قصد التحليل لم يحلها ، وسواء علم الزوجان بذلك أو لم يعلما ، ويفسخ قبل الدخول وبعده . وهو قول الليث وسفيان بن سعيد والأوزاعي وأحمد ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي : النكاح جائز ، وله أن يقيم على نكاحه أو لا . وهو قول عطاء والحكم ، وقال القاسم وسالم وعروة والشعبي : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم بذلك الزوجان ، وهو مأجور بذلك . وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد ، وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن نكاح الذي يفسد هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ليحللها ثم يطلقها ، ومن لم يشترط ذلك فهو عقد صحيح . وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثله ، وروى أيضا عن محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة أنه إذا نوى الثاني تحليلها للأول لم يحل له ذلك ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وروى الحسن بن زياد عن زفر عن أبي حنيفة أنه إن شرط عليه في نفس العقد أنه إنما يتزوجها ليحلها للأول فإنه نكاح صحيح ويحصنان به ويبطل الشرط ، وله أن يمسكها ، فإن طلقها حلت للأول . وفي القنية إذا أتاها الزوج الثاني في دبرها لا تحل للأول ، وإن أولج إلى محل البكارة حلت للأول ، والموت لا يقوم مقام الدخول في حق التحليل وكذا الخلوة ، فافهم .

فإن قلت : روى الترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان الثوري عن أبي قيس - واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي - عن هذيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . ورواه أحمد في مسنده ، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له . وروى الترمذي عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله بنحوه سواء ، وروى ابن ماجه من حديث الليث بن سعد قال : قال لي أبو مصعب مشرح بن هاعان : قال عقبة بن عامر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له . وروى ابن ماجه من حديث ابن عباس بنحوه سواء ، وروى أحمد والبزار وأبو يعلى وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم من حديث المقبري عن ابن عباس بنحوه سواء ، وروى ابن أبي شيبة من رواية قبيصة بن جابر عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما . وروى عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الله بن شريك العامري سمعت ابن عمر يسأل : عمن طلق امرأته ثم ندم ، فأراد رجل أن يتزوجها ليحللها له ! فقال ابن عمر : كلاهما زان ، ولو مكثا عشرين سنة .

فهذه الأحاديث والآثار كلها تدل على كراهية النكاح المشروط به التحليل وظاهره يقتضي التحريم .

قلت : لفظ المحلل يدل على صحة النكاح ; لأن المحلل هو المثبت للحل ، فلو كان فاسدا لما سماه محللا ، ولا يدخل أحد منهم تحت اللعنة إلا إذا قصد الاستحلال ، وحديث علي رضي الله تعالى عنه فيه شك أبو داود حيث قال لا أراه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلول بالحارث ، وحديث عقبة بن عامر قال عبد الحق : إسناده حسن . وقال [ ص: 237 ] الترمذي في علله الكبرى : الليث بن سعد ما أراه سمع من مشرح بن هاعان . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عن حديث رواه الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان على عقبة بن عامر فذكره ، فقال : لم يسمع الليث من مشرح ولا روى عنه . وأما أثر عمر الذي رواه ابن أبي شيبة فقال الطحاوي : هو محمول عن التشديد والتغليظ كنحو ما هم به سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحرق على من تخلف عن الجماعة بيوتهم ، وكذا ما روى عن ابنه عبد الله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث