الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء

جزء التالي صفحة
السابق

4287 باب: رحمة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء، وأمره السواق بهن: بالرفق. ولفظ النووي: (باب رحمته، صلى الله عليه وآله وسلم: النساء، والرفق بهن).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 79، 80 جـ 15، المطبعة المصرية

[عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير ].

[ ص: 117 ]

التالي السابق


[ ص: 117 ] (الشرح)

(القوارير)): جمع "قارورة". سميت بذلك، لاستقرار الشراب فيها. وكني بها عن النساء: لضعف بنيتهن، ورقتهن، ولطافتهن. وقيل: شبهن بالقوارير من الزجاج: لسرعة انقلابه عن الرضاء، وقلة دوامهن على الوفاء. كالقوارير يسرع الكسر إليها، ولا تقبل الجبر.

أي: لا تحسن صوتك، فربما يقع في قلوبهن. فكفه عن ذلك. وهذا من الاستعارة البديعة. قال (في شرح المشكاة): هي استعارة؛ لأن المشبه به غير مذكور، والقرينة حالية لا مقالية. انتهى.

وفي لفظ: (أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن، يقال له: أنجشة. قال: ويحك، يا أنجشة! رويدا سوقك بالقوارير).

قال أبو قلابة) (يعني: عبد الله الجرمي): تكلم رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: بكلمة، لو تكلم بها بعضكم؛ لعبتموها عليه. قال الداودي: هذا قاله "أبو قلابة" لأهل العراق، لما كان عندهم من التكلف، ومعارضة الحق بالباطل.

قلت: وهذا الحديث، أورده البخاري في (باب ما يجوز: من [ ص: 118 ] الشعر، والرجز، والحدى.

وفي رواية؛ قال: كانت أم سليم مع نساء النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وهن يسوق بهن سواق، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "أي أنجشة! رويدا سوقك بالقوارير".

وفي أخرى؛ (قال: كان لرسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: حاد حسن الصوت، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: "رويدا يا أنجشة! لا تكسر القوارير"). يعني: ضعفة النساء.

قال النووي: أما "أنجشة"؛ فبهمزة مفتوحة، وإسكان النون. وبالجيم، وبشين معجمة. وأما "رويدك"؛ فمنصوب على الصفة: بمصدر محذوف. أي سق سوقا رويدا. ومعناه: الأمر بالرفق بهن.

"وسوقك" منصوب: بإسقاط الجار. أي: ارفق في سوقك بالقوارير. قال: قال العلماء: سمي النساء "قوارير": لضعف [ ص: 119 ] عزائمهن، تشبيها بقارورة الزجاج: لضعفها، وإسراع الانكسار إليها. قال: واختلف في المراد بتسميتهن "قوارير": على قولين، ذكرهما القاضي وغيره؛ أصحهما عند القاضي وآخرين، (وهو الذي جزم به الهروي، وصاحب التحرير، وآخرون)؛ أن معناه: أن "أنجشة"، كان حسن الصوت. وكان يحدو بهن، وينشد شيئا من القريض والرجز، وما فيه تشبيب. فلم يأمن: أن يفتنهن، ويقع في قلوبهن حداؤه. فأمره بالكف عن ذلك. ومن أمثالهم المشهورة: "الغنا رقية الزنا". قال عياض: هذا أشبه بمقصوده صلى الله عليه وآله وسلم، وبمقتضى اللفظ. قال: وهو الذي يدل عليه كلام "أبي قلابة، المذكور في هذا الحديث.

والقول الثاني: أن المراد به: الرفق في السير؛ لأن الإبل إذا سمعت الحداء: أسرعت في المشي، واستلذته: فأزعجت الراكب وأتعبته. فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عند شدة الحركة، ويخاف ضررهن وسقوطهن. انتهى.

قلت: ولا مانع من إرادة جميعها. وما أحسن تشبيب القصيدة، من حسان الهند: (السيد غلام علي آزاد البلجرامي)، قدس سره، في هذا المعنى! (إذ يقول):

[ ص: 120 ]

ياللأحبة ساروا في التباشير فاسود يومي كأحداق اليعافير     كم من قلوب رقاق إثر عيسهم
يا حادي العيس رفقا بالقوارير

.

وفي هذه الأحاديث؛ جواز "الحداء". وهو بضم الحاء، وتخفيف الدال المفتوحة؛ المهملتين. يمد، ويقصر. وهو سوق الإبل بضرب مخصوص، والغناء: ويكون بالرجز غالبا.

وأول من حدا الإبل: عبد، لمضر بن نزار بن معد بن عدنان. رواه: ابن سعد عن طاووس مرسلا، والبزار: موصولا عن ابن عباس.

قال القسطلاني: ويلحق به: غناء الحجيج المشوق للحج، بذكر الكعبة البيت الحرام، وغيرها من المشاعر العظام. وما يحرض أهل الجهاد على القتال. ومنه: غناء المرأة لتسكيت الولد، في المهد. انتهى.

[ ص: 121 ] وجواز السفر بالنساء. واستعمال المجاز.

وفيه: مباعدة النساء من الرجال، ومن سماع كلامهم: إلا الوعظ ونحوه. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث