الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع

جزء التالي صفحة
السابق

4094 حدثنا قتيبة حدثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال يا رسول الله اتق الله قال ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأظنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود

التالي السابق


قوله : ( عن عمارة بن القعقاع ) ابن شبرمة بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة .

قوله : ( حدثنا عبد الرحمن ) هو ابن زياد ، ونعم بضم النون وسكون المهملة .

قوله : ( بذهيبة ) تصغير ذهبة ، وكأنه أنثها على معنى الطائفة أو الجملة ، وقال الخطابي : على معنى القطعة . وفيه نظر لأنها كانت تبرا ، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات ، وفي معظم النسخ من مسلم " بذهبة " بفتحتين بغير تصغير .

قوله : ( في أديم مقروظ ) بظاء معجمة مشالة أي مدبوغ بالقرظ .

قوله : ( لم تحصل من ترابها ) أي لم تخلص من تراب المعدن فكأنها كانت تبرا وتخليصها بالسبك .

قوله : ( بين عيينة بن بدر ) كذا نسب لجده الأعلى . وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري .

قوله : ( وأقرع بن حابس ) قال ابن مالك : فيه شاهد على أن ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد ينزعان عنه في غير نداء ولا إضافة ولا ضرورة ، وقد حكى سيبويه عن العرب : هذا يوم اثنين مبارك ، وقال مسكين الدارمي ونابغة الجعدي [1] في الجعدية ، وقد تقدم ذكر عيينة والأقرع في غزوة حنين ، وقد مضى في أحاديث الأنبياء ويأتي في التوحيد من طريق سعيد بن مسروق عن ابن أبي نعم بلفظ " والأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي " .

قوله : ( وزيد الخيل ) أي ابن مهلهل الطائي . وفي رواية سعيد بن مسروق " وبين زيد الخيل الطائي ثم أحد [ ص: 667 ] بني نبهان " وقيل له : زيد الخيل لكرائم الخيل التي كانت له ، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد الخير بالراء بدل اللام وأثنى عليه فأسلم فحسن إسلامه ومات في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قوله : ( والرابع إما علقمة ) أي ابن علاثة بضم المهملة والمثلثة العامري ( وإما عامر بن الطفيل ) وهو العامري ، وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب وهو من أكابر بني عامر ، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر بن الطفيل ، وأسلم علقمة فحسن إسلامه ، واستعمله عمر على حوران فمات بها في خلافته . وذكر عامر بن الطفيل غلط من عبد الواحد فإنه كان مات قبل ذلك .

قوله : ( فقال رجل من أصحابه ) لم أقف على اسمه ، وفي رواية سعيد بن مسروق فغضبت قريش والأنصار وقالوا : يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا ، فقال : إنما أتألفهم والصناديد بالمهملة والنون جمع صنديد وهو الرئيس .

قوله : ( فقال : ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء ) في رواية سعيد بن مسروق أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك عقب قول الخارجي الذي يذكر بعد هذا ، وهو المحفوظ .

( تنبيه ) : هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين ، ووهم من خلطها بها . واختلف في هذه الذهيبة فقيل : كانت خمس الخمس ، وفيه نظر . وقيل من الخمس ، وكان ذلك من خصائصه أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة . وقيل : من أصل الغنيمة وهو بعيد . وسيأتي الكلام على قوله : " من في السماء " في كتاب التوحيد .

قوله : ( فقام رجل غائر العينين ) بالغين المعجمة والتحتانية وزن فاعل من الغور ، والمراد أن عينيه داخلتان في محاجرهما لاصقتين بقعر الحدقة ، وهو ضد الجحوظ .

قوله : ( مشرف ) بشين معجمة وفاء أي بارزهما ، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين .

قوله : ( ناشز ) بنون وشين معجمة وزاي أي مرتفعها ، في رواية سعيد بن مسروق " ناتئ الجبين " بنون ومثناة على وزن فاعل من النتوء أي أنه يرتفع على ما حوله .

قوله : ( محلوق ) سيأتي في أواخر التوحيد من وجه آخر أن الخوارج سيماهم التحليق ، وكان السلف يوفرون شعورهم لا يحلقونها ، وكانت طريقة الخوارج حلق جميع رءوسهم .

قوله : ( أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ) وفي رواية سعيد بن مسروق " فقال ومن يطع الله إذا عصيته " وهذا الرجل هو ذو الخويصرة التميمي كما تقدم صريحا في علامات النبوة من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري ، وعند أبي داود اسمه نافع ورجحه السهيلي ، وقيل اسمه حرقوص بن زهير السعدي ، وسيأتي تحرير ذلك في كتاب استتابة المرتدين .

[ ص: 668 ] قوله : ( فقال خالد بن الوليد ) في رواية أبي سلمة عن أبي سعيد في علامات النبوة " فقال عمر " ولا تنافيه هذه الرواية لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك .

قوله : ( ألا أضرب عنقه ؟ قال : لا ، لعله أن يكون يصلي ) فيه استعمال لعل استعمال عسى ، نبه عليه ابن مالك ، وقوله : " يصلي " قيل فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة يقتل وفيه نظر .

قوله : ( أن أنقب ) بنون وقاف ثقيلة بعدها موحدة أي إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم ، قال القرطبي : إنما منع قتله وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولا سيما من صلى ، كما تقدم نظيره في قصة عبد الله بن أبي . وقال المازري : يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفهم من الرجل الطعن في النبوة ، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة ، وليس ذلك كبيرة ، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع . واختلف في جواز وقوع الصغائر ، أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه ، بل نقله عنه واحد ، وخبر الواحد لا يراق به الدم . انتهى . وأبطله عياض بقوله في الحديث : " اعدل يا محمد " فخاطبه في الملإ بذلك حتى استأذنوه في قتله ، فالصواب ما تقدم .

قوله : ( يخرج من ضئضئ ) كذا للأكثر بضادين معجمتين مكسورتين بينهما تحتانية مهموزة ساكنة وفي آخره تحتانية مهموزة أيضا ، وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين ، فأما بالضاد المعجمة فالمراد به النسل والعقب ، وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه ، وحكى ابن الأثير أنه روي بالمد بوزن قنديل ، وفي رواية سعيد بن مسروق في أحاديث الأنبياء أنه من ضئضئ هذا أو من عقب هذا .

قوله : ( يتلون كتاب الله رطبا ) في رواية سعيد بن مسروق " يقرءون القرآن " .

قوله : ( لا يجاوز حناجرهم ) تقدم شرحه في علامات النبوة .

قوله : ( يمرقون من الدين ) في رواية سعيد بن مسروق " من الإسلام " وفيه رد على من أول الدين هنا بالطاعة ، وقال : إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام كما يخرج السهم من الرمية ، وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء . والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام كما فسرته الرواية الأخرى ، وخرج الكلام مخرج الزجر وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل . وزاد سعيد بن مسروق في روايته " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " وهو مما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - من المغيبات فوقع كما قال .

قوله : ( وأظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود ) في رواية سعيد بن مسروق " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " ولم يتردد فيه وهو الراجح ، وقد استشكل قوله : " لئن أدركتهم لأقتلنهم " مع أنه نهى خالدا عن قتل أصلهم ، وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم واعتراضهم المسلمين بالسيف ، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه ، وأول ما ظهر في زمان علي كما هو مشهور ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في " علامات النبوة " ، واستدل به على تكفير الخوارج ، وهي مسألة شهيرة في الأصول ، وسيأتي الإلمام بشيء منها في استتابة المرتدين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث